شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٣٢
و أما قوله: ما أتيتنا فتحدثنا، وجها النصب في (تحدثنا) جيدان، و إن كان الفعل الأول ماضيا و الجواب مستقبلا.
و أما الرفع فأحد وجهيه جيد، و الآخر ضعيف، و قد أجازه سيبويه على ضعفه. فأما الوجه الجيد فعلى قولك: ما أتيتنا فحدثتنا، فتنفي الإتيان و الحديث؛ و الجيد في ذلك و حد الكلام أن تعطف الماضي على الماضي. و أما الوجه الضعيف فعلى قولك: ما أتيتنا فأنت تحدثنا الساعة و لكن الذي رفعه جملة على أن (ما) إذا وقع بعدها فعل يعرب، لم يكن إلا مرفوعا، فصار موضع الماضي موضع رفع، فلذلك رفع المستقبل الذي بعده و هو في موضع (حدثتنا) و معناه معنى: ما كنت تأتينا فتحدثنا، و الإتيان و الحديث منفيان فيما مضى.
و قوله: ما تأتينا فتكلم إلا بالجميل. و لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة، و كل ما كان من هذا النحو مما فيه حرف الاستثناء إذا نصبت فهو على وجه واحد من وجهي النصب بعد الجحد، كأنك قلت:
ما تأتينا متكلما إلا بالجميل، و لا تأتينا محدثا إلا ازددنا فيك رغبة.
و أما قوله: لا يسعني شيء فيعجز عنك، فليس إلا وجه واحد، كأنك قلت: لا يسعني شيء إلا لم يعجز عنك، و لا يسعني شيء عاجزا عنك؛ و لو حملته على الوجه الآخر من النصب فسد الكلام، و لأن تقديره: لا يسعني شيء فكيف يعجز عنك ذلك الشيء، و من المحال أن كل ما لا يسعه لا يعجز عن المخاطب؛ و الرفع في الوجهين أيضا فاسد؛ لأنه يؤول معناه إلى أنه لا يسعه شيء.
و أما: ما أنت منا فتحدثنا، فلا يكون في ( (فتحدثنا)) الرفع بالعطف على الأول.
لأنه اسم تعطف الفعل عليه، و لكن على الاستئناف، و تقديره: فنحن نحدثك، كما قدّر في البيت (نحن):
فنرجّى و نكثر التأميلا