شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٦٨
و قولك: ما في الدار إلا حمار. قد نفيت به الناس و غيرهم في المعنى. فدخل في النفي ما يعقل و ما لا يعقل ثم ذكرت" أحدا" توكيدا لأن يعلم أنه ليس بها آدمي.
و الوجه الآخر:
أن تجعل المستثنى من جنس ما قبله على المجاز كان" الحمار" هو من إحدى ذلك الموضع. و من عقلاء ذلك الموضع مثل: أنيسك أصداء القبور. و عتابك السيف. و أشباه ذلك من المجازات.
و قال المازني: إن فيه وجها ثالثا و هو: أنه خلط ما يعقل" بما لا يعقل" فعبر عن جماعة ذلك بأحد ثم أبدل" حمار" من لفظ مشتمل عليه و على غيره. و قال اللّه تعالى:
وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ. لما خلط ما يعقل و هم بنو آدم الذين يمشون على رجلين بما لا يعقل و هو الحية التي تمشي على بطنها و البهائم التي تمشي على أربع خبّر عنها كلها بلفظ ما يعقل و هو: منهم" و" من". و لو كان ما لا يعقل لقال: فمنها ما يمشي.
قال أبو سعيد: قد ذكرت معنى ما قال المازني و بسطته و احتججت له.
و قول سيبويه بعد الأبيات التي في آخر الباب" و هذا يقوي: ما أتاني زيد إلا عمرو. و ما أعانه إخوانكم إلا إخوانه لأنها معارف ليست الأسماء الآخرة بها و لا منها".
فأما الأبيات فقوله:" لا يبقى لجاحمها التخيل و المراح" و هو على وجهي ما فسرته من لغة بني تميم.
أحدهما: كأنه قال: لا يبقى لجاحمها إلا الفتى الصبار، و دل ذل على أنه لا يبقى شيء سواه. و ذكر التخيل" و المراح" توكيدا.
و الوجه الآخر: أنه جعل الفتى الصبار هو التخيل في الحرب و المراح مجازا. كما جعل: حمارا هو من الأحدين مجازا.
و فيه وجه ثالث: و هو أن التخيل على معنى: ذوو التخيل و حذف ذوو و أقام التخيل مقامه مثل قوله عز و جل: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ. و هذا على الوجه الذي يتفق عليه
[١] سورة النور، الآية: ٤٥.
[٢] جزء من بيت سبق تخريجه.
[٣] سورة يوسف، الآية: ٨٢.