شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٠٩
الاسم لم يكن لها معناها حين تعمل في الفعل.
و قال الكسائي في: حتى مطلع تخفضه إلى المضمرة و ليس لحتّى فيه عمل.
و قال الفرّاء: حتى هي الخافضة للمطلع لمّا قام مقام إلي.
قال أبو سعيد: اعلم أنّ الحرف الواحد الذي أصل معناه واحد قد يستعمل في مواضع مختلفة، فيغلب عليه اختلاف مواضعه، فيصيّره كالحروف المختلفة حتى يعمل أعمالا مختلفة، و ذلك نحو لا أصلها النفي للشيء و إبطاله، ثم استعمل في مواضع مختلفة من نهي يقابل به الأمر، و من نفي يقابل به حروف الاستفهام، و من دخول على مبتدإ و خبر و غير ذلك من مواضعه، فعملت أعمالا مختلفة من جزم و نصب و رفع، و أبطل عملها في بعض مواضعها؛ لأنّ تفرّقها في هذه المواضع المختلفة كتفرّق الحروف المختلفة اللّفظ و المعنى.
و من ذلك اللام المكسورة؛ لفظها واحد و مواضعها مختلفة، فجزمت الفعل و خفضت الاسم، و لا خلاف بين النّحويين فيما ذكرناه، و إنما يختلفون بعد ذلك في حروف تظهر لها أعمال، فلا يحقّقون تلك الأعمال لها، و يطلبون حروفا أخر يدّعون إضمارها لتلك الأعمال، و إبطال عمل هذا الظاهر عنها، و ربّما جعلوا بعضها بدلا من شيء آخر، فمن ذلك ما يمكن تصحيحه و يقرب مأخذه، و منه ما يبعد، و أنا أذكر منه ما أحوجنا إليه هذا الباب و اللفظ الذي شرعنا فيه منه، و أذكر نحوه الذي يقتضيه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
فممّا يقرب تصحيحه قول سيبويه في حتى: إذا نصبت الفعل أنّها تنصبه بإضمار أن، و ذلك أنّ حتى على مذهبه من حروف الجر؛ لأنّ ما بعدها في الاسم مخفوض إذا كانت غاية، و ذلك قولك: خرج القوم حتى زيد.
فإن قال قائل من أصحاب الكسائي: هلا أضمرتم بعد حتى إلى، و خفضتم زيدا به، كما حكينا عن الكسائي.
قيل: لا يجوز ذلك لبعده في التقدير، و إبطال معنى حتى، و ذلك أنّ موضوع حتى في الأسماء أن يكون الاسم الذي بعدها من جملة ما قبلها، و أنّ حتى اختصّت به من بين الجملة؛ لأنه يستبعد فيه الفعل أكثر من استبعاده في سائر الجملة، كقولنا: قاتل زيد السباع حتى الأسد؛ لأن قتاله للأسد أبعد من قتاله لغيره، و كذلك تقول: استجرأ على الأمير جنده حتى الضعيف الذي لا سلاح له؛ لأنّ استجراء الضعيف الذي لا سلاح له أبعد في النفوس من استجراء غيره من الجند؛ فلو جعلنا مكان حتى إلى فقلنا: استجرأ على الأمير