شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٠٦
أن سيقومون" و أنما جاز:" قد علمت أن عمرو ذاهب" لأنك قد جئت بعده باسم و خبر كما يكون بعده لو ثقلته و أعملته فلما جئت بالفعل بعد" أن" جئت بشيء كان سيمتنع بعده لو ثقلته فكرهوا أن يجمعوا عليه الحذف و جواز ما لم يكن يجوز بعده مثقلا فجعلوا هذه الحروف عوضا.
قال أبو سعيد: أفعال العلم و اليقين و المعرفة و ما جرى مجراها من أفعال التحقيق تختص به" أنّ" المشددة الناصبة للأسماء دون" أن" المخففة الناصبة للأفعال. و أنما خصت هذه الأفعال بالمشددة لأن المشددة المفتوحة بمنزلة" إنّ" المكسورة في باب التوكيد و الإيجاب، و ما اختص بالإيجاب لا يدخل عليه ما ينقض دلالته على الإيجاب، فلم يدخل على" أن" المشددة" رجوت" و اشتهيت و بابه. لأن هذه الأفعال يجوز أن يوجد ما بعدها و يجوز ألا يوجد فوقعت على" أنّ" المخففة التي لا توكيد فيها و لا مضارعة لما يوجب التوكيد.
و لا ينكر أن تكون هذه الأفعال المحققة تختص ب ألا يدخل عليه باب" رجوت" و" اشتهيت" كما أن لام" التوكيد" و" السين" و" سوف" لا يجامعها جحد. ألا ترى أنك تقول: و اللّه لزيد قائم و لا تقول: و اللّه لما زيد قائم. تريد:" ما" الجحد و كذلك لا يجوز:
ما سيقوم و ليس سيقوم و كذلك أفعال التحقيق منعت من دخولها على المخففة. و خصت المخففة بالأفعال غير المخففة و هي الأفعال التي يجوز أن يكون مفعولها. و يجوز أن لا يكون كقولك: اشتهيت أن لا يخرج زيد لأن زيدا يجوز أن يخرج و يجوز أن لا يخرج، و قولك: رجوت أن يقدم زيد يجوز أن يقدم، و يجوز أن لا يقدم.
و اعلم أن من الأفعال ما يكون فيه تأويلان أحدهما: الإيجاب و الآخر: غيره فيجيز أن تكون" أنّ" بعدها بالتشديد و التخفيف بتأويل التشديد و رفع الفعل بعده و يجوز أن يكون بعدها (أن) ناصبة للفعل. و ذلك" حسبت" و" ظننت" و" خلت" و" رأيت" من رؤية القلب و فيها تأويلان:
أحدهما: تأويل العلم و اليقين و المعرفة لأن الظان قد أثبت في ظنه ما ظنه و اعتقده عنده أنه حق كما يعتقد العالم فيما علمه أنه حق فيجري لفظ ما بعد هذه الأفعال بالتشديد في هذا التأويل. كما يجري في العلم فيقال: حسبت أن زيدا منطلق" و ظننت أنك أخونا" و أن خففت و أنت تنوي الشديدة قلت:" قد حسبت أن لا تقول ذلك"