شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١١٧
و نحن لو نوّنّا (ضربا) ما وليه ضمير متصل، و إنما يليه المنفصل، كقولك: عجبت من ضرب إياك، و من ضرب إياه، و من ضرب إياي.
و إنما يشبّه ضربيك في اتصال الضميرين ب (ضربتك) حين اتصل به التاء و الكاف، و هما ضميرا فاعل و مفعول به، و هو في الفعل قوي؛ لاستحكام علامات الإضمار في الفعل؛ و لأنّ الفعل يغيره ضمير الفاعل، و يسكّن آخره حتى يصير معه كشيء واحد، فكأن إضمار المفعول إنما يدخل بعد ذلك على شيء واحد، و ليس إضمار الفاعل في الفعل كإضماره في المصدر؛ لأن إضماره في المصدر يوجب له الجرّ الذي يشاركه فيه المفعول.
و أيضا فإن الفاعل المضمر في الفعل ليس محله محل تنوين يوجب اتصال ما بعده من الضمير منه، و إنما يشبّه الضميران المتصلان بالمصدر بالضميرين المتصلين بالفعل؛ لأنّ الفعل منه مأخوذ، و المصدر يعمل عمله، فيشبه ما اتصل بالمصدر بما اتصل بالفعل كذلك.
فإذا وصلوا الضميرين بالمصدر فالأول: ضمير فاعل، و الثاني: ضمير مفعول به.
على ما ذكرنا من ترتيب ذلك، و لم يحسن حتى يكون ترتيبه على تقديم المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب. كقولك: (عجبت من ضربيك)، و (من ضربيه)، و (من ضربكه)، و هو جائز حسن، و الأجود منه: (من ضربي إياك)، و (ضربي إياه)، و (ضربك إياه). فإن كان الفاعل هو المخاطب، و أضفت المصدر إليه، و المفعول به المتكلم لم يحسن إلا المنفصل. نحو قولك: عجبت من ضربك إياي، و كذلك عجبت من ضربه إياك، و ضربه إياي على ما رتبه سيبويه من تقديم القريب و هو المتكلم، ثم المخاطب، ثم البعيد الغائب، و لم يحسن من (ضربكني)، و لا من (ضربهيني) و لا من (ضربهيك).
و إذا كان الضميران لغائبين، و كان الأول منهما فاعلا في المعنى، كنت مخيرا في الثاني بين المتصل و المنفصل، كقولك: (عجبت من ضربهيها)، و (من ضربه إياها).
فإن قال قائل: قد شرط سيبويه قبل هذا الموضع أنّ الضمير المتصل إذا أمكن لم يجز المنفصل، فلم جوّز في هذا الموضع المنفصل في الموضع الذي يقع فيه المتصل؟
قيل له: للمتصل مواضع مخصوصة به، و هي المواضع التي فيها يلي المتصل العوامل فيه، و للمنفصل مواضع مختصة به، و قد ذكرنا مواضعهما جميعا، و في تلك المواضع لا يقع أحدهما موضع الآخر، و قد يعرض في الكلام مواضع يقع فيها تأويلان؛ أحدهما يجذب إلى شبه المتصل و الآخر يجذب إلى شبه المنفصل، فيستعملان جميعا فيما فيه شبه منهما.