شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢١٥
و إن كان مبنى الكلام على جحد عقيبه استثناء يرده إلى الإيجاب فهو كالإيجاب كقولك: ما سرت إلا يوما حتى أدخلها، و ما سرت إلا قليلا حتى أدخلها، لأنه لا فرق بين قولك: ما سرت إلا يوما، و بين سرت يوما؛ و ما سرت إلا قليلا حتى أدخلها بمنزلة: سرت قليلا حتى أدخلها؛ و القليل قد يؤدي إلى الدخول، كما يؤدي الكثير إليه؛ و هذه العوارض التي تعارض المعرفة و اليقين لا تغير لفظ الإيجاب كقولك: إنّ زيدا لقائم فيما أرى، و فيما أظن، و إن زيدا لقائم بلغني.
و أما ما حكاه سيبويه عن بعض النحويين من اعتبار القلب فهو ضعيف يخالف كلام العرب، و لا لاعتبار ذلك أصل يرجع إليه؛ هؤلاء القوم أجازوا: سرت حتى أدخلها، و لم يجيزوا: كنت سرت حتى أدخلها، لأنه لا يحسن: سرت حتى أدخلها كنت، كما يحسن: حتى أدخلها سرت؛ فاحتج عليهم سيبويه بقول العرب: قد سرت حتى أدخلها، و هم لا يجيزون: سرت حتى أدخلها قد، و يقولون: ربما سرت حتى أدخلها، و لا يقولون:
سرت حتى أدخلها ربما؛ و احتج عليهم أيضا بأنه لا فرق بين قولنا: كنت سرت حتى أدخلها و بين: سرت مرة في الزمان الأول حتى أدخلها، و هم يجيزون: سرت مرة في الزمان الأول حتى أدخلها، لأنه يحسن فيه القلب، تقول: سرت حتى أدخلها مرة في الزمان الأول.
و ذكر سيبويه: إنما سرت حتى أدخلها، فأجاز الرفع في موضع، و لم يجزه في موضع، و ذلك أن (إنما) تكون على وجهين: أحدهما تحقير الشيء، و الآخر الاقتصار عليه؛ فأما الاقتصار عليه فقولك في رجل ادّعي له الشجاعة و الكرم و اليسار، فاعترفت بواحد منها دون الباقي، و أثبته له فقلت: إنما هو موسر أو إنما هو شجاع، فعلى هذا الوجه يرفع الفعل بعد (حتى) إذا قلت إنما سرت حتى أدخلها، لأنك أثبت له المسير، و قد أداه إلى الدخول.
و أما تحقير الشيء فقولك لمن تحقر صنيعا له: إنما تكلمت و سكت، و إنما سرت فقعدت، لم يعتد بكلامه و لا بسيره؛ فعلى هذا الوجه نصب سيبويه: إنما سرت حتى أدخلها، لأنه لم يعتد بسيره سيرا، فصار بمنزلة المنفي.
و يقبح الرفع؛ لأنك لم تجعل السير مؤديا إلى الدخول، فيكون منقطعا بالدخول، و إلا نصبت (يدخل)، فيكون غاية السير، و هذا معنى قوله: ليس في هذا اللفظ دليل على انقطاع السير، يعني إذا رفعت مع التحقير.
فأما أقلّ (ما سرت) فإنه يكون على وجهين: أحدهما أن يريد سيرا قليلا مؤديا