شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٥٦
و أمسى.
و يدلّك على أن أصبح و أمسى كذلك، أنك تقول: أصبح أباك، و أمسى أخاك، فلو كانتا بمنزلة جاء و ركب لقبح أن تقول: أصبح العاقل و أمسى الظريف، كما يقبح ذلك في: جاء و ركب و نحوهما. فإنما يدلّك على أنهما بمنزلة ظننت أنه يذكر بعد الاسم فيهما ما يذكر في الابتداء.
و اعلم أن ما كان فصلا لا يغيّر ما بعده عن حاله قبل أن يذكر، و ذلك قولك:
حسبت زيدا هو خيرا منك، و كان عبد اللّه هو الظريف، و قال عز و جل: وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَ [١].
و قد زعم ناس أن (هو) هاهنا صفة، و ليس من عربيّ يجعلها صفة لمظهر. و لو كان كذلك لجاز: مررت بعبد اللّه هو نفسه، ف (هو) هاهنا مستكرهة لا يتكلّم بها العرب؛ لأنه ليس من مواضعها عندهم. و يدخل عليهم: إن كان زيد لهو الظريف، و إن كنّا لنحن الصّالحين؛ فالعرب تنصب هذا و النحويون أجمعون، و لا تكون هو و نحن صفة و فيهما اللام.
و من ذلك قوله تعالى: وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ [٢]، كأنه قال: و لا يحسبنّ الذين يبخلون البخل خيرا لهم. و لم يذكر البخل اجتزاء بعلم المخاطب بأنّه البخل، لذكره يبخلون.
و مثل ذلك قول العرب: (من كذب كان شرّا له)، لا يقول: كان الكذب شرّا له، استغناء بأنّ المخاطب قد علم أنّه الكذب لقوله: كذب في أوّل حديثه؛ فصارت هو و أخواتها بمنزلة (ما) إذا كانت لغوا، في أنها لا تغيّر ما بعدها عن حاله قبل أن تذكر.
و اعلم أنها تكون في إنّ و أخواتها فصلا و في الابتداء، و لكنّ ما بعدها مرفوع؛ لأنه مرفوع قبل أن تذكر الفصل.
و اعلم أنّ هو لا يحسن أن تكون فصلا حتى يكون ما بعدها معرفة أو ما أشبه المعرفة، مما طال و لم تدخله الألف و اللام، فضارع زيدا و عمرا، نحو: خير منك،
[١] سورة سبأ، الآية: ٦.
[٢] سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.