شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٣٠
و تقول: لا تأكل السمك و تشرب اللبن و تأكل التمر، لأن (الواو) هي الناصبة؛ كما تقول: أريد أن تأكل السمك و أن تشرب اللبن و أن تدخل الحمام.
و مما يشاكل ذلك أن (واو) القسم لما كانت هي الخافضة مكان (الباء)، جاز أن تدخل عليها حروف العطف فتقول:
و اللّه و و الرحمن و و اللّه ثم و اللّه لأخرجن.
و (الواو) التي تقع موقع (رب) و تغني عنها هي (واو) عطف، و لا يجوز دخول حرف عطف عليها، فإذا قلت: و بلد أقمت فيه، لم تقل: و و بلد أقمت فيه، و و رجل عاشرته، و لا ثم و رجل صادقته.
و اعلم أن (الفاء)- في الأصل- في جميع أماكنها عاطفة.
و قد يتناول العامل الشيئين بإعراب واحد و لفظ واحد على وجهين مختلفين كقولك: لو ترك زيد و عمرو لضربه و كذلك لو ترك زيد و الثريد لأكله، و لو ترك أخواك لظلم أحدهما الآخر؛ فلفظ الترك قد وقع عليهما، و هما مختلفان، لأن أحدهما ممنوع منه، و معنى الترك لهما مختلف لا يظهر في اللفظ، و قد عرف معناه.
و العطف ب (الفاء) على وجهين:
أحدهما عطف ظاهر، و الآخر عطف متأول.
فالعطف الظاهر أن تعطف ما بعدها على ما قبلها، فتدخله في إعرابه، و ظاهر معناه، و يكون حكمها حكم (ثم) في الإعراب و المعنى، كقولك: زيد يأتيك فيحدثك و أريد أن تأتيني فتحدثني و إن يأتك زيد فيحدثك تحسن إليه. و يجوز مكان ذلك (ثم) و المعنى واحد كقولنا: زيد يأتيك ثم يحدثك، و أريد أن تأتيني ثم تحدثني، و إن يأتك زيد ثم يحدثك تحسن إليه. و المنصوب بعد (الفاء) في هذا الوجه ليس بإضمار (أن)، بل بالناصب الذي نصب ما قبل (الفاء) و عطف عليه، كقولك: إذا آتيك فأسرك، و جئتك لكي أكلمك فأنفعك.
و أما العطف المتأوّل فهو أن يكون ما قبل (الفاء) غير موجب، و يكون معلقا بما بعد (الفاء) شرطا على وجوه مختلفة أحوجت إلى التغيير و إضمار (أن) ليدل على تلك الوجوه؛ فمن ذلك: لا تأتيني فتحدثني.
في (تحدثني) النصب من وجهين، و الرفع من وجهين؛ فأما أحد وجهي النصب فأن يكون الإتيان منفيا نفيا. مطلقا، و الحديث ممتنع من أجل عدم الإتيان؛ و لو وجد الإتيان لوجد الحديث.