شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٢٨
و لا ضربتك، لمّا كان المخاطب فاعلا، و جعلت مفعوله نفسه، قبح؛ لأنهم استغنوا بقولهم: اقتل نفسك، و أهلكت نفسك، عن (الكاف) هاهنا، و عن (إيّاك).
و كذلك المتكلم لا يقول: أهلكتني، و لا أهلكني؛ لأنه جعل نفسه مفعوله، فقبح؛ ذلك لأنّهم استغنوا بقولهم: أنفع نفسي عن (نى)، و عن (إياي).
و كذلك الغائب لا يجوز لك أن تقول: ضربه إذا كان فاعلا، و كان مفعوله نفسه، و استغنوا عن (الهاء)، و عن (إياه) بقولهم: ظلم نفسه، و أهلك نفسه.
و لكنه قد يجوز ما قبح هاهنا في: (حسبت، و ظننت، و خلت، و أرى، و زعمت، و رأيت) إذا لم ترد رؤية العين، و وجدت إذا لم ترد وجدان الضالة، و ذلك قولك:
حسبتني، و رأيتني، و وجدتني فعلت كذا و كذا، و رأيتني لا يستقيم لي هذا، و كذلك ما أشبه هذه الأفعال تكون علامة المضمرين فيها إذا جعلت فاعليهم أنفسهم كحالها إذا كان الفاعل غير المنصوب.
و مما يثبت علامة المضمرين المنصوبين هاهنا أنه لا يحسن إدخال النفس هاهنا، لو قلت: يظنّ نفسه فاعله، أو أظنّ نفسي تفعل كذا، على حدّ يظنّه و أظنّني ليجزئ هذا من هذا، لم يجزئ كما أجزأ أهلكت نفسك عن أهلكتك، فاستغني به عنه.
و إنما افترقت حسبت، و أخواتها من الأفعال الأخر؛ لأن حسبت و أخواتها إنما دخولها على مبتدإ و مبنيّ على مبتدإ؛ لتجعل الحديث شكّا أو علما. ألا ترى أنك لا تقتصر عليه مبتدأ، و الأفعال الأخر إنما هي بمنزلة اسم مبتدإ؛ و الأسماء مبنية عليه.
ألا ترى أنك لا تقتصر على الاسم كما تقتصر على المبنيّ على المبتدإ، فلما صارت حسبت و أخواتها بتلك المنزلة جعلت بمنزلة إنّ و أخواتها إذا قلت: إنّني و لعلّني؛ لأنّ و أخواتها لا تقتصر على الاسم الذي يقع بعدها؛ لأنها إنما أدخلت على مبتدإ، و مبنيّ على مبتدإ.
و إذا أردت ب (رأيت) رؤية العين لم يجز رأيتني؛ لأنها حينئذ بمنزلة:
ضربت، و إذا أردت التي بمنزلة: علمت، صارت بمنزلة إنّ و أخواتها؛ لأنهنّ لسن بأفعال، و إنما يجئن لمعنى، و كذلك هذه الأفعال إنّما جئن لعلم أو شكّ، و لم ترد فعلا سلف منك إلى إنسان".
قال أبو سعيد: اعتمد أبو العباس المبرّد و غيره من أصحابنا في إبطال: اضربك،