شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٩٠
و لا يجوز: (ما أتاني أحد غير زيد خير منه) في موضع (إلا) و ذلك لوجهين:
أحدهما: أن (غيرا) إنما تكون بمنزلة (إلا) إذا كان بعد (إلا) اسم يصح إضافة (غير) إليه. لأن (غيرا) ليست تخالف سوى الاسم الذي أضيفت إليه.
و الوجه الثاني: أن (إلا) يقع بعدها فعل و فاعل، و لا تقع (غير) موقعها. كقولك:
(ما أتاني أحد إلا يضحك) و لا يجوز (غير يضحك). و لا تصح إضافة (غير) إلى المبتدإ و الخبر كما لا تصح إضافته إلى الفعل.
و وجه آخر: سوى الوجهين الأولين: و هو أنّا لو جعلنا (غيرا) مبتدأ لباينت (إلا) في المعنى؛ لأنك إذا قلت: ما أتاني أحد غير زيد خير منه. فإنما زعمت أن كل من أتاك غير زيد ليس بخير منه و لم تفضل زيدا عليه. و إنما نفيت أن يكون غير زيد خيرا منه.
و يبين سيبويه أن (غيرا) تجزئ من الاستثناء و إن لم تكن لاستثناء ليقوى الاستثناء بها في الموضع الذي جعلت فيه بمنزلة (إلّا) و ذلك قولك: أتاني غير عمرو و (غير) فاعل (أتاني) و لا يكون بمعنى (إلا). لأنك لا تقول: أتاني إلا عمرو. و قد أغني عن الاستثناء؛ لأن الذي يفهم به: أن عمر ما أتاك فخرج (عمرو) عن الإتيان كخروجه بالاستثناء إذا قلت: أتاني كل آت إلا عمرا.
و قد يستقيم في حقيقة اللفظ أن يكون عمرو أتاه. و ذلك أن قوله: أتاني غير عمرو.
ظاهر اللفظ أن غير (عمرو) أتاه. و ليس في إتيان غير عمرو نفي لإتيان عمرو كما لو قال: أتاني عدو زيد. لم يكن فيه دلالة على أن (زيدا) لم يأته.
و لو قال قائل: (ما أتاني غير زيد) و لم يرد به الاستثناء كان حقيقة الكلام أن غير زيد ما أتاه. و زيد مسكوت عنه يجوز أن يكون قد أتى و يجوز أن يكون لم يأت، غير أنّ العادة جرت بأن يراد بمثل هذا الكلام: أن زيدا داخل في الفعل الذي خرج عنه غيره.
و خارج عن الفعل الذي دخل فيه غيره.
و لو قال قائل: (ما أتاني غير زيد) و لا يريد إثبات الإتيان لزيد. لم يكن كاذبا.
و لكنه ملغز ملبس.
و قال أبو سعيد: يعمل ما قبل (إلا) فيما بعدها و لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
و تقول: (ما يأكل زيد إلا طعامك. و ما زيد آكل إلا طعامك).
و لا تقول: ما زيد طعامك إلا آكل. و ما زيد طعامك إلّا يأكل.
و منزلة (إلّا) في هذا كمنزلة واو العطف يعمل ما قبلها فيما بعدها و لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. تقول: ضربت زيدا و عمرا. و اختصم زيد و عمرو. فقد عمل ما قبل