شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٦٧
و مثله:" ما زيد إلا خارج" و ليس زيدا إلا خارجا و معناه: إن كل شيء يذكر لزيد منفي و خرج" خارجا" من عموم النفي كأنه قال: ليس زيد شيئا إلا خارجا.
و هذا التقدير: تقدير معنى و ليس بتقدير لفظ مقدر محذوف و الدليل على ذلك:
أنك تقول: ما قام إلا زيد. لا يجوز في" زيد" غير الرفع و لو كان" أحد" منويّا في اللفظ لجاز" إلا زيدا". كما يجوز: ما قام أحد إلا زيدا".
و من الدليل على أن أصل الاستثناء ما ذكرناه. أنا تقول: استثنيت زيدا من القوم.
و لا تقول: استثنيت زيدا من البساتين. و لا استثنيت زيدا من عمرو؛ لأنه ليس بعض البساتين. و لا بعمرو و" من" للتبعيض فكأنه في الأصل: زيد من القوم ثم أخرجته عنهم في المعنى الذي جعلته. و لا يجوز أن تكون" من" هاهنا لابتداء غاية المكان كما تقول:
أخرجته من الكوفة. لأن" القوم" ليسوا بأمكنة، و لا يراد أنهم ابتداء غاية للمستثنى منهم.
و قولهم: استثنى الحالف إذا قال: إن شاء اللّه أو أراد بعد يمينه ما تنصرف به الأيمان إلى بعض الوجوه التي كان يوجبها اليمين في إطلاق لفظها قبل التقييد. فإذا قال لزوجته" أنت طالق" أو قال لعبده: أنت حر فهي طالق. و هو حر على كل وجه و سبب.
و إذا قال:" أنت طالق" أو أنت حر إن خرج زيد أو إن قدم زيد أو إن دخلت الدار، فقد جعل الطلاق و العتاق على بعض الوجوه.
و كذلك إذا قال: أنت طالق أو أنت حر إن شاء اللّه فقد علق الطلاق و العتاق بمشيئة اللّه تعالى.
فمن الفقهاء من لا يوقع الطلاق و لا العتاق؛ لأنه لما كان لا يعلم مشيئة اللّه تعالى له في الحكم كأنه لم يشأ فلم يقع الطلاق و لا العتاق؛ لأن المعلق به لم يكن.
و منهم من يقول إنه يقع؛ لأن يجعل مشيئته شاملة لكل شيء، و سمي استثناء؛ لأنه يعقب به اللفظ المطلق العام فصار على بعض الوجوه. و هذا يوضح ما أصلناه في الاستثناء.
و أما قولهم: ما فيها أحد إلا حمارا و نحوه مما يشتمل عليه الباب. فنصب أهل الحجاز ما بعد" إلا" لأنه ليس من نوع الأول. لأن" أحدا" وضع لما يعقل. و إنما يبدل القليل من الكثير إذا كان بعضه كقولك: مررت بتميم بعضهم.
فحملوه على وجه النصب الذي ذكرناه قبل هذا الباب و هو الاستثناء.
و أما بنو تميم فرفعوه و نحوه على تأويلين ذكرهما سيبويه.
أحدهما: أنك إذا قلت ما في الدار أحد إلا حمار فإنك أردت: ما في الدار إلا حمار.