شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٥٨
و يجوز أن تقول: لا أحد فيها إلا زيدا؛ لأن الكلام قبل" إلا" تام لو اقتصر عليه.
و قوله: ما علمت أن فيها إلا زيدا: إنما جاز ذلك لأنك تقول: ما علمت أن فيها زيدا. بمعنى واحد. فمن حيث جاز: ما علمت فيها إلا زيدا" جاز ما علمت أن فيها إلا زيدا. لأن" أن" للتوكيد و الناصب لزيد في" ما علمت فيها إلا زيدا" علمت. و" في ما علمت أن فيها إلا زيدا" أن.
و لو قلت: ما علمت أن إلا زيدا فيها، لم يجز. و ذلك أن الاستثناء لا يجوز أن يكون في أول الكلام، لا تقول: إلا زيدا قام القوم.
و كذلك لا يجوز الاستثناء بعد حرف يدخل على جملة و لا يلي الحرف" إلا".
و قد فرع النحويون على ذلك مسائل، فقالوا:
كيف إلا زيدا إخوتك. جيد.
و أين إلا زيدا إخوتك. جيد.
و من إلا زيدا إخوتك. جيد.
و لو قلت:" هل إلا زيدا عندك أحد. و" ما إلا زيدا عندك أحد: كان خطأ.
و الفرق بينهما: أن" أين" و" كيف" و" من" أخبار ينعقد الكلام بها. و" هل" و" ما" لا ينعقد بهما شيء، و إسقاطهما لا يبطل الكلام.
و لو قلت: هل عندك إلا زيدا أحد. و ما عندك إلا زيدا أحد. جاز لأن" عندك" خبر." فإن" بمنزلة" هل" و" ما" لا يجوز أن يليها حرف الاستثناء.
و قوله: إن أحدا لا يقول ذاك إلا زيدا" هو كلام قبيح. كان القياس فيه أن لا يجوز لأن" إنّ" للإيجاب و" أحد" لغير الإيجاب. و لكنهم أجازوه للنفي الذي بعده لما كان معنى الكلام يؤول إلى المنفي.
و مثله:" قد عرفت زيد أبو من هو" أبطل عمل" عرفت" في" زيد" و ليس قبله حرف استفهام للاستفهام الذي بعده.
و كذلك وقع" أحد" في موضع إيجاب للجحد الذي أتى بعده في قولك: إن أحد لا يقول ذاك، فيصير كأنك قلت: ما أحد يقول ذاك.
فإذا نصبت" زيدا" بعد" إلا" فنصبه محمول على" إن" لأنها لما عملت في" أحد" صارت كأنها حرف جحد بعده فعل مجحود، نحو: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا.
و يجوز رفعه حملا على الضمير الذي في" يقول ذاك" كما جاز الرفع في قولك: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا و إلا زيد".