شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٥٤
يقول ذاك إلا زيدا، لا يكون فيه إلا النصب؛ لأن الضرب هو المنفي في المعنى و القول ليس بمنفي ... ألا ترى أنك تقول:" ما أوذي أحدا يوحد اللّه تعالى" و قد علم أنه لم يقصد إلى نفي من يوحد اللّه. و إنما نفي أداة لهم، فلم يجز البدل إلا من" أحد" لأنه هو الذي وقع به الفعل المنفي و هو الأذى.
و قوله:" أقل رجل يقول ذاك إلا زيد" لا يصح البدل من لفظه؛ لأنا إن أبدلنا" زيدا" من" أقل رجل" لطرحناه في التقدير فبقي:" يقول ذاك إلا زيد" و هذا لا يصح و لكنا نرده إلى معناه و نفصّله بما يصح معه البدل." و أقل" ينصرف على معنيين.
أحدهما: النفي العام.
و الآخر: ضد الكثرة.
فإذا أريد النفي العام جعل تقديره: ما رجل يقول ذاك إلا زيد. كما تقول:" ما أحد يقول ذاك غلا زيد".
و إن أريد به ضد الكثرة فتقديره:" ما يقول ذاك كثير إلا زيد" و معناهما يؤول إلى شيء واحد؛ لأنه إذا أبدل زيدا في الاستثناء فقد أبطل الذي قبله، فكأنه يقول:" ما يقول ذاك إلا زيد، ألا ترى أنه إذا قال:" ما أتاني القوم إلا زيد" فكأنه قال: ما أتاني أحد منهم إلا زيد.
و قوله و كذلك" أقل من"" و قلّ من" إذا جعلت من نكرة بمنزلة" رجل" فإن" من" إذا كانت بمنزلة" رجل" لزمته الصفة، فإذا قلت: أقل من يقول ذاك، صار يقول ذاك" صفة لمن" و يبقى" أقل" بلا خبر. و إذا قلت: أقل رجل يقول ذاك" فرجل" غير محتاج إلى صفة." و يقول ذاك" خبر" أقل". و" زيد" بدل من" أقل" كما ذكرنا.
و أقل من يقول ذاك، لم يتم به الكلام، و تمامه في قولك:" إلا زيد" فيصير بمنزلة" ما أخوك إلا زيد".
و أما" قول من يقول ذاك" فهذا كلام تام؛ لأنه فعل و فاعل.
فإن قال قائل: لم أبدلت العرب من المنفي و لم تبدل من الموجب فيقال: أتاني القوم إلا زيد؟
قيل له: لأن المنفي يصح حذف الاسم المبدل منه قبل" إلا" و لا يصح ذلك في الموجب. لا يقال: أتاني إلا زيد. و إنما جاز: ما أتاني إلا زيد .. و لم يجز" أتاني إلا زيد" لأن النفي الذي قبل إلا قد وقع على ما لا يجوز إثباته من الأشياء المتضادة. و لا يجوز إثبات ما يتضاد.