شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٥٢
و القول الذي ذهب إليه سيبويه هو الصحيح و شاهده القرآن و القياس.
فأما القرآن فقوله عز و جل: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء: ٦٦] فرفع.
و فعلوه يقع في الإيجاب، و أما القياس: فإنه قد أحاط العلم أنا إذا قلنا:" ما أتاني أحد" فقد دخل فيه القوم و غيرهم. فإنما ذكرنا في بعض ما اشتمل عليه أحد مما يستثنى بعضه.
و قد احتج عليهم سيبويه ببعض ما ذكرناه. و بأن قال: كان ينبغي لمن قال ذلك أن يقول:" ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك إلا زيد".
و الصواب: نصب زيد." ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك إلا زيدا". لأنك لما قلت: ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك، صار الكلام موجبا لما استثني من المنفي. و كأنه قال: كلهم قالوا ذاك. فاستثنى" زيدا" من شيء موجب في الحكم فنصب. و إنما ذكر هذا لأنه ألزم القائل بما ذكر من جواز" ما أتاني أحد إلا زيد" و منع:" ما أتاني القوم إلا زيدا" بأن قال:
إن كان وجوب النصب لأن الذي قبل" إلا" جمع فقد قال تعالى: وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ [النور: ٦] فرفع بعد الجمع.
و إن كان جواز الرفع و البدل لأن الذي قبل" إلا" واحد فينبغي أن يجيزوا الرفع في قولهم: ما أتاني أحد إلا قال ذاك إلا زيد" و الواجب فيه النصب.
و إنما ألجأهم سيبويه إلى أن يقولوا: إن الذي يوجب البدل أن يكون ما قبل" إلا" منفيّا فقط، جمعا كان أو واحدا.
و ذكر سيبويه في النفي ما يكون له اسم ظاهر و اسم مكني متعلقان بعاملين مختلفين.
فيجوز البدل من أي الاسمين شئت، و لم يجز في بعضه البدل إلا من أحد الاسمين دون الآخر.
فأما الذي يجوز فيه البدل من أي الاسمين شئت فهو الذي كل واحد من عاملي الاسمين مجحود في المعنى.
و أما الذي لا يكون البدل إلا من أحد الاسمين فهو الذي عامل أحد الاسمين مجحود و عامل الآخر غير مجحود، فتبدل من الاسم الذي عامله مجحود دون الآخر.
فمما يبدل من الاسمين فيه قوله: ما منهم أحد اتخذت عنده يدا إلا زيد" و يجوز خفض" زيد" فرفعه على أن تبدل من" أحد" و خفضه على أن تبدله من الهاء في عنده؛ لأن المعنى: ما اتخذت عند أحد يدا إلا زيد.
و كذلك: كل مبتدإ دخل عليه حرف الجحد ثم وقع على ضميره شيء من خبره كان لك أن تبدل منه أو من ضميره كقولك:" ما أحد منهم ضربته إلا زيد و إلا زيدا" و ما