شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٣٠
إذا أرادوا هذا المعنى.
مثال هذا: أنهم إذا شبهوا السريع الذي رضوا بسرعته فقالوا: هو كالريح و هو كالبرق و كالسهم و كالحجر و كالطائر. و يبالغون به فيقول: هو أسرع من الريح و أسرع من يد إلى فم.
و بأي شيء شبهناه من هذه الأشياء فهو كتشبيهنا أياه بالآخر. لأن غرضنا الدلالة على أن فيه سرعة شديدة محمودة.
و هذا أكثر من أن يحصى. فصار قولنا: هو كالبرق و هو أسرع من البرق، و هو كالريح و هو أسرع من الريح في باب الدلالة على سرعته كشئ واحد.
و كذلك: كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ بمنزلة شيء واحد فجمع اللفظين اللذين يتناهون و يبالغون فيه إذا شبهوا.
و مثله قوله تعالى: قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ* قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ.
و الكلام فيه و فيما قبله طريق واحد و هو: أن كل ما فنى يشبّه بما لم يكن حتى يقال:" كأنك بالدنيا لم تكن ...".
لأنه إذا فنى فقد بطل حكم وجوده و كونه و الذي لم يزل موجودا. لأنه إذا أتى فقد بطل حكم عدمه.
فقوله عز و جل: وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ؛ لأن ما قبل الساعة مما يفنى فيصير كأنه لم يوجد فزمانه قصير في التشبيه، و الذي يأتي قريب؛ لأن ما قبله فان، و التشبيه بلمح البصر". و" باليوم" و" الساعة" و اللحظة واحد؛ لأن الغرض فيه كله تقصير المدة على غير حقيقة مماثلة طول الزمان.
و إنما دخول" أو" على ذلك. لأن المشبه بكل واحد من ذلك مفردا غير مخطئ في التشبيه فتأمله و أعرفه إن شاء اللّه تعالى.
و أما قوله عز و جل: وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ففيه وجهان:
[١] سورة المؤمنون، الآيتان: ١١٢، ١١٣.
[٢] سورة الصافات، الآية: ١٤٧.