شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٢٩
قال عز و جل: وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا و قد أحاط العلم أنه ليس في الفرق فرقة بين اليهودية و النصرانية، و أنما الإخبار عن جملة اليهود و النصارى أنهم قالوا، ثم فصل ما قاله كل فريق منهم.
و قد احتج بعض أصحاب مالك في تخيير الإمام في عقوبة قطاع الطريق الساعين في الأرض فسادا بقوله عز و جل: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ.
و كان ينكر مخرج الآية على وجه التخيير لذكره" أو" فذكرت ما كان عندي و هو:
أن" أو" في هذه الآية على التبعيض و ترتيب أصناف هذه العقوبات على أصناف جنايات المحاربين.
و احتججت بقوله تعالى: وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى على أن بعضا و هم اليهود قالوا: كُونُوا هُوداً و بعضا و هم النصارى قالوا: (كونوا نصارى).
و كذلك نحمل آية المحاربين على أن بعضا و هم الذين قتلوا يقتلون، و بعضا و هم الذين أخذوا المال: تقطع أيديهم و أرجلهم و هذا مذهب أبي حنيفة و أصحابه.
و الشافعي و أتباعه.
و أما قوله عز و جل: وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ فإن أكثر تشبيهات العرب و غيرهم من سائر الأمم يجري على غير المماثلة في حقيقة الطول و القصر و السعة و الضيق و الثقل و الخفة و نحو ذلك. و أكثر تشبيهاتهم أن أشياء قد عرفت بصفات خير أو شر أو رفعة أوضعة أو غير ذلك و تقرر ذلك في نفوسهم، فإذا أرادوا المبالغة في وصف شئ شبهوه بمثله من تلك الأشياء أو فضلوه عليه إذا أرادوا الانتهاء في المبالغة.
و الغرض فيه أن ما شبهوه فيه ما يفضل به من تلك الحال فكيف ما شبهوه و جاز
[١] سورة البقرة، الآية: ١٣٥.
[٢] سورة المائدة، الآية: ٣٣.
[٣] سورة النحل، الآية: ٧٧.