شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٦٥
لم يعرف الفراء النصف الأول من البيت الأول.
و أما" شد ما أنك ذاهب" و" عز ما أنك ذاهب" فقد جعله سيبويه على وجهين:
أحدهما: أن يكون بمعنى: حقا أنك ذاهب فيكون" شد ما" في تأويل ظرف.
و أنك ذاهب مبتدأ كما أن" حقا" مبتدأ في تأويل ظرف و" شد" و" عز" فعلان في الأصل دخلت عليهما" ما" فأبطل عملها. و جعلا في مذهب" حقا". كما دخلت" ما" على" قل" و" رب" فبطل عملها. و خرجا عن مذهب الفعل و حرف الجر.
و" شد ما" و" عز ما" و إن جعلا في موضع" حقا" فلا تدخل عليهما" في" كدخولها على" حقا" لأنهما في الأصل فعلان. كما أن" أن" إذا وقعت بعد" لو" تشبيها" بلولا" لم يجز وقوع الاسم بعدها لوقوعه بعد" لو لا".
و الوجه الآخر: أن يكون" شد ما" و" عز ما" فعلين ماضيين. كنعم و" بئس" و وقوع" ما" بعدهما كوقوع" ما" بعد" نعم" و" بئس" كقولك: نعما صنيعك و" بئسما عملك" و تقديره: نعم الصنيع صنيعك و" بئس العمل عملك". و قوله: كما أنه لا يعلم فتجاوز اللّه عنه. دخلت الفاء على" تجاوز" لأنه دعاء. و هو بمنزلة دخول القلب في فعل الأمر إذا تقدم المفعول كقولك: زيدا فاضرب. و إن شئت: زيد اضرب. فإذا قلت: اضرب زيدا لم تكن" فاء" و كذلك تقول: تجاوز اللّه عنه. و" ما" عند سيبويه لغو. و استدل على أنها لغو بقوله تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ لأنها لو لم تعمل لغوا لبنيت مع ما بعدها و فتحت. و لم يجز إسقاطها و إن كانت لغوا في عملها. و زيادة فائدة بدخولها: لأنهم أرادوا الفرق بين شبيهين: فإذا ادخلوا ما على حرف التشبيه أرادوا: أن أحد الشيئين وجوده حق كما أن وجود الآخر حق. و أن الشيئين في أنفسهما. كقولك" زيد فاسق كما أن عمر صالح" أردت أن هذا موجود و صحيح كما أن هذا موجود صحيح. و كذلك تقول: البساط تحتنا كما أن السماء فوقنا. أي: هذا حق كما أن هذا حق. و كذلك: الظلال فوقنا كما أن السماء فوقنا.
إذا أردت أنهما حقان. و إن أردت تشبيه أحدهما بالأخر قلت:" الظلال فوقنا كما أن
[١] سورة الذاريات، الآية: ٢٣.