شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣٦٤
جريمة كاسبة يعني عقابا. و ناهض: فرع. فالعقاب تكسب لفرخها ما يأكله و على هذا تأول: جرمت فزارة: أي كسبت فزارة الغضب.
و اختلفوا في فاعل" جرم" إذا كان فعلا ماضيا:
فقال أبو العباس المبرد:" أنهم" في موضع رفع" بجرم" كقولك: حق كون النار لهم.
و وجت كون النار لهم. و نحو ذلك. و قال غيره:" أن لهم النار" في موضع نصب و في" جرم" ضمير فاعل. كأن كفرهم كسب كون النار لهم.
و أما الفراء و أصحابه. فذهبوا إلى أن" جرم" اسم منصوب و" لا" على التبرئة و قال الفراء:" لا جرم أنهم" كلمة كانت في الأصل- و اللّه أعلم، بمنزلة: لابد أنك قائم و لا محالة أنك ذاهب فجرت على ذلك و كثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة: حقا و" حقا" عندهم بمنزلة قسم. و استدل على ذلك بما ذكر عن العرب من قولهم." لا جرم لآتينك"." لا جرم لقد أحسنت" قال: كذلك فسرها المفسرون بمعنى: الحق. قال و أصله جرمت أي كسبت الذنب و جرمته، و رأيت بعض الكوفيين: يجعل" أن" في موضع نصب في لا بد و لا محالة و لا جرم. و قال بعض الكوفيين:" أجرم" أصله الفعل الماضي فحول عن طريق الفعل و منع التصرف. فلم يكن له مستقبل و لا دائم و لا مصدر. و جعل معه" لا" قسما و تركت الميم على فتحها الذي كان لها في الماضى كما نقلوا" حاشى" و هو فعل ماض مستقبله" يحاشى" و دائمه" محاش" و مصدره" محاشاه" من باب الأفعال إلى باب الأدوات لما أزالوه عن التصرف فقالوا: قام القوم حاشى عبد اللّه. فخفضوا به و لو كان فعلا ما عمل خفضا. و ابقوا عليه لفظ الفعل الماضي. و كما نقلوا" ليس" و أصلها الفعل الماضي. عن أصلها إلى سبيل الأدوات فمنعوها التصرف و خروج المصدر منها و أفردوا آخرها على أمرها الأول قبل النقل. و حكى الكوفيون في" لا جرم" وجوها من تغيير اللفظ فيها عن العرب. منها" لا جرم" بضم الجيم و:" لا جر" بإسقاط الميم. و:" لا ذا جرم" و" لا ذا جر" بغير الميم" و لا إنّ ذا جرم" و:" لا عزّ ذا جرم". و معنى اللغات كلها عندهم واحد. و أنشد الفراء:
...
إنّ كلابا والدي لاذا جرم
لأهدرن هدرا صادقا
هدر المعنى الشقاشيق اللهم