شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٣١٠
رجل يأتيني فله درهم، فأتاه رجلان، فلكل واحد منهما درهم؛ و لو قال: إن أتاني زيد فله درهم، فأتاه مرتين لم يستحق إلا درهما واحدا؛ و قوله: الذي يأتيني فله درهم، دخلت الفاء.
لتبين أن الدرهم استحقه بالإتيان، و لو قال: الذي يأتيني له درهم جاز أن يكون الدرهم يستحقه بالإتيان، و جاز أن يكون بغيره، كما يقول: زيد له درهم، و لم تذكر سبب استحقاقه للدرهم، و يجوز أن يكون الفعل ماضيا كقولك: الذي أتاني فله درهم، يثبت أن الدرهم استحقه و مثله قول اللّه- تبارك و تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ و كان أبو الحسن الأخفش يضعف: إن الذي يأتيني فله درهم لدخول (إن) على الذي، و يقول:
الذي إنما تدخل الفاء في خبرها، لأنه يذهب بها و بالفعل الذي بعدها مذهب الشرط، فإذا أدخلت عليها (إن) أبطلت (إن) الشرط و المجازاة، كقولك: من يأتيني آتيه، ثم تقول: إن من يأتيني آتيه، فتبطل المجازاة بدخول (إن) و تصير (من) بمعنى الذي؛ و كان أبو إسحاق الزجاج لا يبطل حكم المجازاة عن الذي بدخول (إنّ) و القول ما قاله أبو إسحاق لأن (الذي) لا تعمل في الشرط و الجزاء فتجزم، و إنما يحمل على المجازاة في المعنى لجواز إبهامها، و لأنها توصل بالفعل و ما جرى مجراه، فتشبه بالشرط و الجزاء، و لم يخرجها (إن) عن ذلك، لأن (إن) لها تغير معنى الابتداء، فقد قال اللّه- عز و جل-: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ فأدخل الفاء مع دخول (إن) و مثله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ افْتَدى بِهِ و مما يدل على صحة ما قلناه أن الحروف لا تكون شروطا مع حروف المجازاة، لا تقول:
إن في الدار زيد أكرمه، و لا متى يوم الجمعة القتال أحضره، و قد قال اللّه- عز و جل-:
وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ فدخلت (الفاء) لمعنى المجازاة و (ما) بمعنى الذي، و مثل ذلك قولهم: كل رجل يأتينا فله درهم، و لو قال: كل رجل فله درهمان كان محالا، و الفرق بينهما أن كل رجل مبهم، و يأتينا مشبه بالشرط لأن الفعل يكون شرطا، و يستوجب بيأتينا الدرهمين، و إن لم يكن بعده شيء فلم يأت سبب يستوجب به شيئا.
قال أبو سعيد: لو قال كل رجل فيه شهامة أو فيه نفاذ، أو فيه محبة لنا جاز على
[١] سورة آل عمران، الآية: ٩١.
[٢] سورة الجمعة، الآية: ٨.
[٣] سورة آل عمران، الآية: ٩١.
[٤] سورة النحل، الآية: ٥٣.