شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٩٦
لا يحسن إن تأتني قعدت عنك لأن الأول مجزوم و الثاني ماض، و لا يجوز أن تقول: إن تأتني فلم آتك، و لا إن أتيتني فلم آتك، لأن (لم) تصير الفعل بمعنى المضيّ، و الفاء تمنع أن يكون الجواب بفعل ماض، سواء كان الشرط ماضيا أو مستقبلا، ألا ترى أنك تقول: إن تأتني فقعدت عنك، و يجوز أن يكون بعد الفاء من الفعل ما كان دعاء، كقولك: إن أحسنت إليّ فجزاك اللّه خيرا، و إن أسأت فلعنك اللّه، لأن معنى الدعاء في غير الشرط و الجواب الاستقبال، فإن كان لفظه ماضيا، لا يحسن إن تأتني لن آتيك بإسقاط الفاء لأن (لن) و ما بعدها جملة كما لا يحسن إن يأتني زيد يشكرك حتى تدخل الفاء، و إنما جاز إسقاط الفاء لأنها لا تمنع عمل ما قبلها فيما بعدها و باقي الباب من كلامه مفهوم.
هذا باب من الجزاء ينجزم فيه الفعل إذا كان جوابا لأمر أو نهي أو استفهام أو تمنّ أو عرض
فأما ما انجزم بالأمر فقولك: إيتني آتك، و ما انجزم بالاستفهام فقوله ألا تأتيني أحدّثك، و أين تكون أزرك، و أما ما انجزم بالتمني، فقولك: ألا ماء أشربه، وليته عندنا يحدّثنا، و أما ما انجزم بالعرض فقولك: ألا تنزل تصب خيرا، و إنما انجزم هذا الجواب، كما انجزم جواب إن تأتني بإن تأتني، لأنهم جعلوه معلقا بالأول غير مستغن عنه الأول إذا أرادوا الجزاء، كما أن (إن تأتني) غير مستغنية عن آتك.
زعم الخليل أن هذه الأوائل كلها فيها معنى إن، فلذلك انجزم الجواب، لأنه إذا قال: ائتني آتك، فإن معنى كلامه إن يكن منك إتيان آتك، و إذا قال: أين بيتك أزرك، فكأنه قال: إن أعلم مكان بيتك أزرك، لأن قوله: أين بيتك؟
يريد: أعلمني، و إذا قال: ليته عندنا يحدّثنا، فإن معنى هذا الكلام إن يكن عندنا يحدّثنا، و هو يريدها هنا إذا تمنى ما أراد في الأمر، و إذا قال: لو نزلت، فكأنه قال:
انزل.
و مما جاء من هذا الباب في القرآن و غيره، منه قول اللّه- عز و جل-: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ* تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ. فلما انقضت الآية قال: يَغْفِرْ لَكُمْ [الصف: ١٢]
[١] سورة الصف، الآيتان: ١٠، ١١.