شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٩٥
اختار في القراءة: فَلا هادِيَ لَهُ وَ يَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، فيجوز الجزم فيه عطفا على موضع الفاء، و هو أيضا جيد قوي و الأول أقوى منه و من هذا الوجه قراءة من قرأ: وَ يَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ و حمل الكلام على موضع الفاء، لأن موضع الفاء موضع الجواب، و الأصل فعل الشرط، الفعل و الفاء داخلة عليه، و يجوز أيضا فيه النصب، و هو ضعيف و قد ذكرناه، و قوله إن تأتني فلن أوذيك، و استقبلك بالجميل استقبلك رفع عطف على موضع لن كأنه قال إن تأتني فاستقبلك بالجميل، و لا يجوز نصبه بالعطف على أوذيك لفساد المعنى، لأنه يصير في التقدير، فلن أوذيك، و لن أستقبلك بالجميل، و هو تقضي لن أوذيك، و يجوز فيه الجزم على موضع الفاء، كما جاز (و يذرهم).
و قوله: إن أتيتني لم آتك و أحسن إليك إن أردت و لم أحسن إليك فالجزم في أحسن لا غير، و إن جعلت أحسن جواب الشرط لم تنف الإحسان، فإن أجود ذلك أن تجعله ماضيا فتقول: لم آتك و أحسنت إليك، لأن موضع (لم) موضع فعل ماض، فتعطفه عليه كأنه قال: إن أتيتني قعدت عنك و أحسنت إليك، و إن كان مستقبلا، فإن سيبويه قال: الرفع الوجه، و إنما اختار الرفع لأنا إن جزمناه على موضع لم لم يحسن أن يكون الشرط فعلا ماضيا و الجواب مجزوما، لأنه لا يحسن أن تقول:
إن أتيتني أحسن إليك، و إذا قال:
إن أتيتني أحسن إليك كان حسنا فقوله:
أحسن إليك إن سببه كان رفعا على أن تقدر في موضع (لم) فعلا مستقبلا لك على تقدير أحسن إليك إن أتيتني، و قوله: لم آتك و أحسن إليك يجوز، و أحسن إليك إن شئت كان رفعا على أن تقدر في موضع (لم) فعلا مستقبلا مرفوعا، و أحسن عطف عليه، و إن شئت كان قطعا و استئنافا، و قد ذكرنا أن أحسن الكلام في الشرط و الجواب أن يتشاكلا في المعنى أو في الجزم.
قال أبو سعيد: و منزلة (لم) و الفعل المجزوم بعدها منزلة فعل ماض، و حكمه كحكمه فإذا قلت: إن أتيتني فالجواب المختار لم آتك، لأنه بمنزلة: إن أتيتني فعدت عنك، و هما فعلان ماضيان، و إن قال: إن تأتني فالجواب لا آتك لأن لا آتك للمستقبل، و لا يحسن أن يقول:
إن تأتني لم آتك، كما لا يحسن أن تقول: إن تأتني فلم آتك، و لا إن أتيتني فلم آتك، كما
[١] سورة الأعراف، الآية: ١٨٦.