شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٧٠
أزورك) و هو بعد (جفوتني) الذي هو شرط؛ فإن كان (لا أزورك) مجازاة، فينبغي أن يكون مجزوما، و إن كان ينوي به غير المجازاة، و هو واقع موقع الجزاء ما ينوي به غير الجزاء.
و قد ذكر أبو بكر بن الأعرابي عن أبي العباس المبرد أنه قال:
إذا قلت: لإن أتيتني لأكرمنك. و إنما هو: و اللّه لإن أتيتني و اللّه لأكرمنك، و أضمرت، قال: و لا يكون هذا إلا على قسمين.
قال أبو سعيد: و هذا غلط و سهو من أبي العباس لأن الشرط إذا أفرد فليس بخبر، و القسم إنما يقع على خبر، و ما يصح فيه التصديق و التكذيب، ألا ترى أن الاستفهام و الأمر و النهي لا يصح القسم عليهنّ لأنهن لسن بأخبار، فكيف يصح القسم على الشرط وحده، و أما الذي رد تقديم (لا يضيرها) لأنه لا فاعل معه، فيجوز أن يكون ضمير الفاعل على شرط التفسير، كما يكون في قولك: ضربني و ضربت زيدا، و نحو ذلك مما يضمر على شرط التفسير، كأنه قال: لا يضيرها أحد إن أتاها أحد؛ لأنّ معنى من يأتها إن يأتها أحد، فأضمر في يضيرها؛ لأن الكلام الذي بعدها فيه ذكر المضمر الذي أضمر على شرط التفسير، و أما: أقول مهما تقل، و أكون حيثما تكن و أكون أين تكن، و آتيك متى تأتني، و تلتبس بها أنّى تأتها فلا يجوز رفع ما بعدهن من الأفعال لأنهن لا يكن بمنزلة (الذي) كما تكون (من) و (ما) و (أيهم)، فنجعل الفعل بعدهن صلة لها، و نرفع، ألا ترى أنّك تقول: مررت بمن يعجبني، و بما يسرّني، و بأيّهم يوافقني، و لا تقول مررت بمهما يسرني.
فلما لم تكن هذه الحروف بمنزلة الذي بطل رفع الفعل فيهنّ، و وجبت المجازاة و قبح الجزم في فعل الشرط، إذ لا جواب بعده، كما قبح أن تقول: أقول إن تقل و آتيك إن تأتني و لو كان ماضيا لحسن كقولك: أقول إن قلت، و آتيك إن أتيتني لأن الشرط لم يجزم، و هذه الظروف التي يجازي بها لا تتمكن و لا يخبر عنها كما يخبر عن (ما) و (من) و (أيهم) ألا ترى أنك تقول ما تصنع قبيح على أن ما مبتدأ، و تصنع في صلته و قبيح خبره، و لا يجوز مهما تصنع قبيح؛ لأن مهما لا يخبر عنها، و تقول: في الكتاب ما تقول- بمعنى مكتوب عندي ما تقول- فتكون (ما) مبتدأ بمنزلة (الذي)، و (تقول) صلتها، و (في الكتاب) خبر مقدّم، كما يقول: في الدار صنيعك، و لا يجوز على هذا: في الكتاب مهما تقول، إذا جعلت (تقول) صلة لمهما كما تجعلها صلة لما.