شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٥٠
نصب (نقر) و نحمله على (نبين)، و ذلك أن اللّه- عز و جل- ذكر خلق الإنسان من تراب، و نقله من حال إلى حال و هم معترفون بذلك، ليبين به البعث الذي لا يعترفون به فقال- عز من قائل-: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، فبين- جل ثناؤه- بقدرته على هذه الأحوال التي يعترفون بها قدرته على البعث، لأنه أحيا ما قد بلى و رمّ و صار ترابا من الجلد و العظم و غير ذلك و نقله إلى الحياة، كنقل التراب إلى الحيوان في الابتداء؛ و ذكر اللّه- تبارك و تعالى- ذلك للبيان لهم أمر البعث.
و قوله- تبارك و تعالى-: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (أن) في صلة ما قبله، و سياقه: وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ يعني: إن لم يكن الشهيدان رجلين فالمستشهدون رجل و امرأتان؛ و بين السبب في جعل المرأتين مكان الرجل و هو إذكار إحداهما الأخرى الشهادة إذا نسيتها؛ و لو كانت امرأة واحدة فنسيت، لم يكن لها من يذاكرها للشهادة إذا نسيتها.
فإن قال قائل: يذكرها الرجل الشاهد معها.
قيل له: العادة الجارية أن النساء يلاقين النساء في المجادلة و المؤانسة و المطاولة في المجالسة و الحديث، كما أن الرجال فيما بينهم كذلك، فلنقصد النساء ضم إلى المرأة مثلها ليقوى بالضم حالهما. و تذكرهما في هذه الحال على ترتيب الكلام؛ و امرأتان لتذكر إحداهما الأخرى إذا ضلت.
و العرب تتسع في مثل هذا بالتقديم و التأخير، فيقدمون الإذكار مرة على ما يوجبه الترتيب الذي ذكرناه، و مرة يقدمون سببه و هو الضلال، و الضلال: النسيان في هذا الموضع، لأنه لا يقع في ذلك لبس، و مثله: أعددت الخشب أن يميل الحائط فأدعمه به، و هو إنما أعده للدعم، و ذكر الميل الذي هو سبب الدعم.
و قراءة أهل الكوفة بكسر (إن) قرأ حمزة: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا [البقرة: ٢٨٢] كما تقول: إن تأتني فأحسن إليك؛ و لا يدخل هذا فيما ذكره سيبويه.
و أما (فأبهت) بالرفع، فهو بمنزلة: فإذا أنا مبهوت، و هو من نحو:
[١] سورة الحج، الآية: ٥.
[٢] سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
[٣] المصدر السابق.