شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٢٢
هذا باب الفاء
اعلم أن ما انتصب في باب (الفاء) فإنه ينتصب على إضمار (أن)، و ما لم ينتصب فإنه يشرك الفعل الأول فيما دخل فيه، أو يكون في موضع مبتدإ، أو مبني على مبتدإ، أو موضع اسم مما سوى ذلك. و سأبين ذلك إن شاء اللّه.
تقول: لا تأتيني فتحدثني، لم ترد أن تدخل الآخر فيما دخل فيه الأول، فتقول:
لا تأتيني و لا تحدثني، و لكنك لمّا حولت المعنى عن ذلك تحوّل إلى الاسم؛ كأنك قلت: ليس يكون منك إتيان فحديث، فلّما أردت ذلك استحال أن تضمّ الفعل إلى الاسم، فأضمروا (أن)، لأن (أن) مع الفعل بمنزلة الاسم؛ فلم نووا أن يكون الأول بمنزلة قولهم: لم يكن إتيان، استحالوا أن يضموا الفعل إليه، فلما أضمروا (أن) حسن، لأنه مع الفعل بمنزلة الاسم.
و (أن) لا تظهرها هنا لأنه لا يقع فيها معان لا تكون في التمثيل، كما لا يقع معنى الاستثناء في (لا يكون) و نحوها إلا أن تضمر؛ و لو لا أنك إذا قلت: لم آتك، صار كأنك قلت: لم يكن إتيان، لم يجز: فأحدثك، كأنك قلت في التمثيل: فحديث؛ و هذا تمثيل و لا يتكلم به بعد (لم آتك)، لأنك لا تقول: لم آتك فحديث، فكذلك لا تقع هذه المعاني في (الفاء) إلا بإضمار (أن)، و لا يجوز إظهار (أن). كما لا يجوز إظهار المضمر في (لا يكون) و نحوها.
فإذا قلت: لم آتك، صار كأنك قلت: لم يكن إتيان، و لم يجز أن تقول:
فحديث، لأن هذا لو كان جائزا لأظهرت (أن).
و نظير جعلهم لم آتك، و لا آتيك، و ما أشبه ذلك بمنزلة الاسم في النية، حتى كأنهم قالوا: لم يك إتيان، إنشاد بعض العرب قول الأحوص اليربوعي:
مشائيم ليسوا مصلحيين عشيرة
و لا ناعب إلّا ببين غرابها