شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢١٦
كأنه قال: قل سيري، كما تقول: سرت قليلا؛ فهذا يرفع فيه الفعل الذي بعد (حتى) للمسير القليل الذي أدى إلى الدخول.
و الوجه الآخر أن يكون في معنى الجحد، و ذلك قولك: قلما سرت حتى أدخلها، إذا عنيت غير سير، لأن معناه النفي لغير سير؛ و ليس النفي لغير سير فعل يوجب الدخول فيرفعه؛ و كذلك قوله: أقل ما سرت حتى أدخلها، من قبيل أن (قلّ) نفي، و قد ذكرنا فيما تقدم أن (أقلّ رجل) و (أقلّ رجل) في معنى الجحد، بما أغني عن إعادته".
قال أبو سعيد:" و لو قلت: ما كثر ما سرت حتى أدخلها، و ما طال ما سرت حتى أدخلها، لم يجز فيه غير النصب، لأنك لم تذكر فعلا يؤدي إلى الدخول، و إنما نفيت فعلا، و لم تثبت فعلا آخر؛ و لهذا نصب سيبويه بعد: أقلّ ما سرت حتى أدخلها، لما كان نفيا ل (كثر ما سرت)، كما أن (ما سرت) نفي لقوله: سرت، و قواه بأنه قبيح أن تقول:
قل ما سرت حتى فأدخلها، كقبح ما سرت فإذا أنا داخل، لأن (الفاء) تقتضي أن ما بعدها وقع عقيب فعل اتصل به، و أنت قد نفيت ما قبل (الفاء)؛ و لو قلت: قلما سرت فأدخلها، فنصبت، كان جيدا للنفي، كما تقول: ما أتيتنا فنكرمك، و لا يحسن كثر ما سرت فأدخلها، لأنه موجب، و الوجه كثر ما سرت فأدخلها بالرفع، كقولك: أنا آتيك فأكرمك، و لا يحسن فأكرمك بالنصب، و قد تقدم الرد على من يعتبر القلب و هو ينصب ربما سرت حتى أدخلها؛ و طال ما سرت حتى أدخلها، و كثر ما سرت حتى أدخلها. لأنه لا يحسن أن تقول: سرت حتى أدخلها ربما، و لا سرت حتى أدخلها طالما، و كثر ما.
ثم قال عنهم: فإن احتجوا- يعني في نصبها- بأنه غير سير واحد، فرد كلامهم بأنه يقال: سرت غير مرة حتى أدخلها، و هذا لا يدفعونه، لأنه يحسن فيه القلب، و معناه معنى: ربما سرت، و طال ما سرت فأبطل احتجاجهم بالنصب إذا تعلقوا بغير القلب.
و قوله: و لكنهم اعتزموا على النصب في ذا، كما اعتزموا عليه في (قد)، يريد أن نصب العرب لما ينصبونه من: ربما سرت حتى أدخلها، و كنت سرت حتى أدخلها، و غير ذلك، و إنما نصبوه لا من أجل قبح القلب، و لكن لأن كل ما يرفع بعد (حتى) يجوز فيه النصب على الغاية، لأن ما بينهما متقارب في المعنى، لأن السير ينقطع عند الدخول، رفعت أو نصبت، فنصبهم لأنهم ذهبوا به مذهب الغاية، و يجوز فيه الرفع كما رفع من رفع في (قد)، و يجوز النصب عنده.
و قوله: كان سيري أمس حتى أدخلها، في (أمس) وجهان:
أحدهما: أن يكون في موضع نصب بسيري لا بخبر (كان)، كما تقول: كان قطعي