شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢١٠
جنده إلى الضعيف، ما جاز و لا أدّى عن معنى حتى، فإن قدّرناه بقولنا: استجرأ على الأمير جنده حتى انتهى استجراؤهم إلى الضعيف الذي لا سلاح له كان ذلك بزيادة كثيرة، و كانت إلى في صلة انتهى لا في صلة حتى، و الذي ذكره الكسائي من إضمار ذكر إلى بعد حتى شيء منكر لا يعرف، و إذا جعلنا الخفض بنفس حتى على مذهب سيبويه فلا يخرج ذلك عن قياس النحو، و عن المتناولات العربية، و ذلك أنّ حتى قد يليها المخفوض في حال، و يكون ما بعدها غير مخفوض في حال، و لها نظائر مما تخفض في حال و يبطل خفضها في حال نحو: منذ، و مذ، و خلا، و حاشى في الاستثناء، فظهور الخفض بعدها إذا لم يقم برهان على إضمار حرف خافض يوجب أنّها هي الخافضة، كما أنّ هذه الحروف هي الخافضة، و يدلّ على أنّها هي الخافضة قولهم: حتّام و حتّامه، و إلام و إلامه، و أصلها:
حتى ما، و ما للاستفهام و لا تسقط عنها الألف إلا أن يدخل عليها خافض، فعلم بذلك أنّ حتى خافضة. فلمّا كانت خافضة في الاسم إذا كانت غاية، ثم رأيناها تدخل على الفعل في معنى الغاية، جعلنا السّبيل فيهما واحدا، و بقّيناها على خفضها، و أحوجنا ما وجب لها من عمل الخفض أن نجعل ما عملت فيه اسما، و لا يكون الفعل اسما إلا بأن يقرب به أن؛ لأنّها و الفعل بمنزلة المصدر، و إذا قدرناه لم يبعد تقديره؛ لأنّا لو قلنا لرجل: أقم حتى يقدم زيد، وقف حتى تطلع الشمس، فحتى هي للغاية، و إذا جئنا ب (إلى) التي هي للغاية كحتى و إن كانت تخالفها في معنى آخر قلنا: أقم إلى أن يقدم زيد، وقف إلى أن تطلع الشّمس؛ فموقع إلى موقع حتّى، و لا يجتمعان؛ لأن إحداهما تغني عن الأخرى.
و يدلّك على أنّ حتى في موضع إلى في هذا الموضع أنّك تقول: أقم إلى قدوم زيد، و أقم حتى قدوم زيد، كما قال عز و جل: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ، و هذا أحد وجهي نصب الفعل بحتّي و هو الغاية، و لم يذكروا بعد حتى أن كما ذكروها بعد إلى؛ لأنّ إلى لا تدخل إلا على الأسماء و لا يبطل الخفض بها و لا يقدّر إلغاؤه فيها.
و حتى يبطل عملها في أحوال؛ فتدخل على الأسماء بمعنى حروف العطف في قولك:
رأيت القوم حتى زيدا، و جاءني القوم حتى زيد، و تدخل على الأفعال فتنصبها على غير وجه الغاية، و تدخل عليها العوامل و لا تعمل شيئا، و تكون كحروف الابتداء نحو: الواو و الفاء، فلمّا كانت كذلك ألزموا إلى أن؛ لتظهر اسمية ما دخلت عليه، و قوّة لزومها الخفض، و من أجل ذلك أيضا حسن ظهور أن بعد اللام المكسورة، و لا يحسن ظهورها بعد حتّى، و قد ذكرنا حسن سقوط أن بعد اللام و الفرق بينها و بين غيرها من