شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٠٥
فعلوا ذلك؛ لأنّها قد تصرّفت فأعملت و ألغيت، و وقعت لما لم يأت، و لما هو في الحال، و تقدمت و توسّطت و تأخّرت، فلما كثر تصرّفها و انفتح ما قبل نونها ضارعوا بها التنوين و النون الخفيفة في الفعل إذا انفتح ما قبلها.
و ذكر أبو بكر مبرمان عن عسل بن ذكوان قال: الناس إذا وقفوا على إذن وقفوا بألف، و المازني لا يري ذا، و يقول: هي حرف بمنزلة أن و لن، تقف عليها كما تقف عليهما، و يقول هي بالأدوات أشبه منها بالأسماء لأنها تعمل عمل الأدوات.
و أبو العباس المبرّد يحكي الوقف عليها بالألف، و يرى أن لو وقفوا عليها بالنون كان جيدا على الأصل في مثلها من الحروف.
و قد اختلف القول في نصب إذن، فقال سيبويه: هي الناصبة العاملة، و ذكر أنّ ذلك الذي سمعه هو من الخليل، و ذكر عن غيره عن الخليل أنّ أن بعدها مضمرة، و احتجّ عليه بما ذكره في آخر الباب.
و كان أبو إسحاق الزّجّاج يذهب إلى أنّ أن بعد إذن مضمرة، و يستدلّ على ذلك أنّ إذن لا تعمل شيئا أنها متى كانت للحال لم تعمل.
قال أبو سعيد: و هذا لا يبطل عملها لأنّا قد رأينا ما يعمل في حال و يبطل عمله في أخرى، كقولنا: ما زيد قائما، في لغة أهل الحجاز، فإذا تقدم الخبر أو دخل حرف الاستثناء بطل عملها، و قد دخل في إذن أشدّ من ذلك؛ لأنّها إذا وقعت على الحال فليس ذلك في شيء من نواصب الفعل، و هي في نفسها قد تلغى، و كان ذلك من أقوي أسباب الإلغاء، و تقديم خبر ما و دخول الاستثناء ليس مما يعدم في ليس، و قد أبطل عمل ما المشبّهة بليس.
قال أبو سعيد: و إنّما جاز إلغاء إذن لأنّها جواب يكفي من بعض كلام المتكلم، كما يكفي لا و نعم من كلامه، يقول القائل: إن تزرني أزرك، فيجاب: إذن أزورك، و المعنى: إن تزرني أزرك، فنابت إذن عن الشّرط، و كفت من ذكره، كما يقول: أزيد في الدار؟ فيقال له: نعم أولا، و تكفي نعم من قوله: زيد في الدار، و لا من قوله: ما زيد في الدار، فلمّا كانت إذن جوابا قويت في الابتداء؛ لأن الجواب لا يتقدّمه كلام، و لمّا وسّطت و أخرّت زايلها مذهب الجواب فبطل عملها، و إنّما جاز في الفاء و الواو الإعمال و الإلغاء لأنّهما للعطف، و قد يجوز عطف جملة على جملة ليس بينهما علقة كقولك: قام زيد ببغداد، و خرج عمرو من البصرة إلى الصّين، و ليس بين الجملتين تعلّق، و يجوز أن يكون عطف شيء ليس بجملة على ما قبله، فإذا أعملت إذن و قبلها واو أو فاء فهما لعطف