شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٩٦
و زعم الكوفيون أنّ (مه) في (كيمه) و (حتّامه) ليست مخفوضة و لكنها منصوبة على مذهب المصدر، كقول القائل: أقوم كي تقوم، سمعه المخاطب و لم يفهم يقوم فقال:
كيمه، يريد كي ما ذا، و التقدير: كي يفعل ما ذا، فموضع مه نصب على جهة المصدر و التشبيه به، و ليس لكي في مه عمل جرّ.
قال أبو سعيد: و الصحيح ما قاله سيبويه؛ لأنّ سقوط الألف من ما في الاستفهام إنما يكون إذا كانت ما في موضع خفض و اتصل بها الخافض، و إذا كانت ما استفهاما وقعت صدر الكلام و لم تسقط منها الألف كقولك: و ما تصنع، و لا يجوز و م تصنع؟ و لو كان على ما قاله الكوفيون لجاز أن تقول أن مه، و لن مه، و إذن مه، إذا لم يفهم المستفهم ما بعد هذه الحروف من الفعل؛ لأنه إنما يسأله عن مصدر، و المصدر في الأفعال بعد أن و إذن و لن، و بعد كي و حتّى واحد، و لام الجحد عند سيبويه بمنزلة لام كي في إضمار أن بعدها، و بينهما فصل في إظهار أن بعدهما، فاستحسن ظهورها بعد لام كي و لم يجز ظهورها بعد لام الجحد؛ و إنما قبح ظهورها بعد لام الحجد لأنها نقيض فعل ليس تقديره تقدير اسم، و لا لفظه لفظ اسم، و هو السين و سوف، فإذا قلنا: ما كان زيد ليخرج فهو قبل الحجد: كان زيد سوف يخرج، أو سيخرج، فإذا قلنا ما كان زيد لأن يخرج بإظهار أن فكأنّا جعلنا مقابل سوف يخرج و سيخرج اسما، فكرهوا إظهار أن لذلك.
و وجه آخر: و هو أنّ تقديره عندهم: ما كان زيد مقدّرا الآن يخرج، أو مستعدّا، أو هامّا، أو عازما، أو نحو ذلك من التقديرات التي توجب المستقبل من الفعل، و أن توجب الاستقبال، فاستغني بما تضمّن الكلام من تقدير الاستقبال من ذكر أن، و أمثّل هذا بما يكشفه؛ يقول القائل: عبد اللّه عمّي، فيقال له: ما كان عبد اللّه عمّك، و يقول القائل:
عبد اللّه يصوم و يصلّي، فيقال: ما كان عبد اللّه يصوم و يصلّي، بغير لام، و يقول القائل:
عبد اللّه يهمّ أن يقوم، و يريد أن يقوم، فيقال له: ما كان عبد اللّه ليقوم، و منه قوله عز و جل: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣]. وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ [التوبة: ١١٥]. كأنّ قائلا قال: هل اللّه يريد أن يعذّبهم؟ و هل اللّه يريد أن يضلّ قوما بعد إذ هداهم؟ فجعلت اللام علما لهذا المعنى.
و قد فرّع أصحابنا على هذا مسائل؛ يقال: لم تركت زيدا و كان سيعطيك، و لو لم تلزمه كان أن يسعفك، و نحوه: كان عبد اللّه على أن يأتيك، و كان يقدّر أن يكرمك مكان لن يكرمك، كلّ هذا جيد بالغ مقيس، و بنيت هذه المسائل على تقدير ما كان