شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٩٢
بالرفع الذي هو أول الإعراب فجعلوا له سببا لا يتعلق بغيره، و لا يخرج الرفع عن ترتيبه.
و قول الفرّاء في ذلك قول مدخول و لفظه غير صحيح؛ و ذلك أنّ الرفع أول أحوال الفعل؛ فإذا رفعناه من قبل وجود المنصوب و المجزوم فلا بدّ من حال مقترنة به توجب له الرفع غير منسوبة إلى شيء لم يكن بعد، و إنما يقال: سلم فلان من كذا إذا كان قد دخل فيه و لابسه.
و قال الكسائيّ و أتباعه من الكوفيين: الفعل المستقبل يرتفع بالزوائد الأربع: الألف و النون و التّاء و الياء.
قال أبو سعيد: و هذا قول يفسد من وجهين:
أحدهما: أنّ هذه الزوائد موجودة في حال النصب و الجزم، و العامل إذا حضر و وقع على المعمول فيه عمل عمله.
و الوجه الآخر: أنّ هذه الزوائد من نفس الفعل و تمام معناه، و لا تنفصل منه في لفظ و لا في معنى ينفرد به. فكيف تعمل فيه و لا تنفرد منه و لا تفارقه؟ و ليس بمنزلة أن يذهب؛ لأنّ أن منفصلة اللفظ من يذهب، و يذهب منفرد بنفسه و لفظه.
قال أبو سعيد: و أمّا نصب الفعل فالأصل فيه أن، و ذاك أنّ أن الناصبة هي و ما بعدها بمعنى المصدر، و أنّ المشدّدة المفتوحة الناصبة هي و ما بعدها من الاسم و الخبر بمنزلة المصدر، كقولك: أريد أن تخرج، و معناه: أريد خروجك، و بلغني أنّك تخرج، بمعنى: بلغني خروجك، و بعد فهما يشتركان فيما كان من أفعال الظّنّ و الخوف، كقولك:
حسبت أنّك لا تقوم، و حسبت أن لا تقوم، و يتعاقبان على الأفعال التي للإيجاب، و غير الإيجاب؛ كان للإيجاب انفرد به المشدّد كقولك: عرفت أنّك تخرج، و ما كان لغير الإيجاب انفرد به المخفّف كقولك: اشتهيت أن تخرج، و أردت أن تخرج، فحمل نصب الفعل بأن على نصب الاسم ب" أنّ" لما ذكرناه.
و لن و كي و إذا محمولة على أن في النصب لمشاركتها لها في الاستقبال؛ و الدليل على ذلك أنّ إذا قد تدخل على الحال فيبطل النصب بها، و ستقف على ذلك في موضعه إن شاء اللّه تعالى.
و قد ذكر سيبويه عن الخليل: في لن أنّ أصلها لا أن، و حكى الكوفيّون عن الكسائي مثل قول الخليل.
قال أبو سعيد: و المختار قول غير الخليل، و الحجّة فيه سوى ما ذكره سيبويه، أنّا إذا قلنا: لن أضرب زيدا، كان كلاما كاملا تاما لا يحتاج إلى إضمار شيء، و إذا قلنا: لا