شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٧٨
بعض العرب: دعنا من تمرتان، على الحكاية لقوله: ما عنده تمرتان. و سمعت عربيا يقول لرجل سأله فقال: أ ليس قرشيّا؟ فقال: ليس بقرشيا، حكاية لقوله. فجاز هذا في الاسم الذي يكون غالبا على هذا الوجه، و لا يجوز في غير الاسم الغالب كما جاز فيه، و ذلك أنّه الأكثر في كلامهم، و هو العلم الأوّل الذي به يتعارفون. و إنما يحتاج إلى الصفة إذا خاف الالتباس من الأسماء الغالبة. و إنّما حكى مبادرة للمسؤول، و توكيدا عليه أنّه ليس يسأله عن غير هذا الذي تكلّم به.
و إذا قال: رأيت أخا زيد لم يجز: من أخا زيد؟ إلا على قول من قال: دعنا من تمرتان، و ليس بقرشيا، و الوجه الرفع لأنه ليس باسم غالب.
و قال يونس: إذا قال رجل: رأيت زيدا و عمرا، أو زيدا و أخاه، أو زيدا أخا عمرو، فالرفع يردّه إلى القياس و الأصل إذا جاوز الواحد، كما يردّ ما زيد إلا منطلق إلى الأصل. و أمّا ناس فإنّهم قاسوه فقالوا: تقول: من أخو زيد و عمرو، و من عمرا و أخا زيد؛ يتبع الكلام بعضه بعضا، و هذا حسن.
فإذا قالوا من عمرا؟ و من أخو زيد؟؛ رفعوا أخا زيد؛ لأنه قد انقطع الأول من الثاني الذي مع الأخ، فكأنك قلت: من أخو زيد؟ كما أنك تقول: تبّا له، و ويلا له، و تبّ له، و ويل له.
و سألت يونس عن: رأيت زيد بن عمرو فقال: أقول من زيد بن عمرو؟؛ لأنّ أصل هذا أجري كالواحد، و من نوّن زيدا جعل (ابن) صفة منفصلة و رفع في قول يونس. فإذا قال: رأيت زيدا فقلت: أيّ زيد؟ فليس إلا الرفع، تجريه على القياس.
و إنما جازت الحكاية في من لأنّهم ل (من) أكثر استعمالا، و هم يغيّرون الأكثر في كلامهم عن حال نظائره. و إن أدخلت الواو و الفاء في من فقلت: و من أو فمن، لم يكن فيما بعده إلا الرفع).
قال أبو سعيد: مسائل الباب و تفريعها على قول أهل الحجاز؛ لأنّ بني تميم على منهاج القياس في غير هذا الباب، و لا خلاف بينهم أنّ مستفهما لو ابتدأ الاستفهام على غير كلام سمعه لقال: من زيد؟ و من مبتدأ و زيد خبره، أو زيد مبتدأ و من خبره، و إذا قال قائل: رأيت زيدا فقيل له: من زيد؟ فهو كالسؤال له في الابتداء؛ من مبتدأ و زيد خبره، أو زيد مبتدأ و من خبره، فهذا القياس. و يدلّ على ذلك أيضا أنّهم لا يختلفون أنّه إذا قال:
رأيت زيدا قلت: أيّ زيد؟ فأيّ كمن، و أيّ زيد: مبتدأ و خبر.