شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٧٧
هذا باب ما لا يحسن فيه من كما حسن فيما قبله
قال سيبويه: (و ذلك أنه لا يجوز أن يقول الرجل: رأيت عبد اللّه، فتقول: منا؛ لأنه إذا ذكر عبد اللّه فإنّما يذكر رجلا تعرفه بعينه، أو رجلا أنت عنده ممّن يعرفه بعينه، و أنت تسأله على أنه ممّن يعرفه بعينه، إلا أنّك لا تدري: الطويل هو أم القصير أم ابن زيد أم ابن عمرو؟ فكرهوا أن يجروا هذه مجرى النكرة إذا كانا مفترقين.
و كذلك: رأيته و رأيت الرجل، لا يحسن أن تقول فيهما إلا من هو، و من الرجل؟
و قد سمعنا من العرب من يقال له: ذهب معهم، فيقول: مع منين؟ و قد رأيته، فيقول: منا، أو رأيت منا. و ذلك أنه سأله على أن الذين ذكر ليسوا عنده ممن يعرفه بعينه، و أنّ الأمر ليس على ما وصفه المحدّث، فهو ينبغي له أن يسأل في هذا الموضع كما سأل حين قال: رأيت رجلا).
قال أبو سعيد: قد تقدم قبل هذا الباب أنّ المسألة عن المعرفة لا تكون باسم واحد، و إنما تكون المسألة عن النكرة باسم واحد، و ذكرنا الفصل بين المعرفة و النكرة، و إنما جاز أن يقول: مع منين؟ و هو يستفهم عن الهاء و الميم في معهم، و أن يقول: منا؟
و هو يستفهم عن الهاء في رأيته؛ لأن المتكلم بنى أمر المخاطب على أنه عارف بالاسم المكنيّ، و لم يكن عارفا به؛ فأورد مسألته على غير ما ذكره المتكلم. و كأن السائل سأل على ما كان ينبغي للمتكلم أن يكلّمه به إذا لم يعرف، و الذي كان ينبغي للمتكلم أن يقول: ذهب مع رجال، و رأيت رجلا، فلما غلط المتكلم في توهمه على المخاطب أنه يعرفه ردّه المخاطب إلى الحقّ في حال نفسه أنه غير عارف بمن ذكره، و سأل عن ذلك، و جعل المتكلم كأنه قد تكلّم به، و ربّما عدل المخاطب عما يوجبه لفظ المتكلم، و ذلك قولك: كيف أصبحت؟ فتقول: صالح، و من ضربت؟ فتقول: زيد، و الذي يقتضيه لفظ السؤال صالحا و زيدا. و قد مضى الكلام في نحو هذا و اللّه أعلم.
هذا باب اختلاف العرب في الاسم المعروف الغالب إذا استفهمت عنه بمن
قال سيبويه: (اعلم أنّ أهل الحجاز يقولون إذا قال الرجل رأيت زيدا: من زيدا؟
و إذا قال مررت بزيد قالوا: من زيد؟ و إذا قال: هذا عبد اللّه قالوا: من عبد اللّه؟
و أمّا بنو تميم فيرفعون على كلّ حال، و هو أقيس القولين.
فأمّا أهل الحجاز فإنّهم حملوه على أنّهم حكوا ما تكلّم به المسؤول، كما قال