شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٧٠
القوم نكرمه، و نكرمه خبر أيّ، و لو حذفت الهاء من نكرمه نصبت أيّا فقلت: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرم، كأنك قلت: أيّهم نكرم؟ و لو جعلت أيّا خبرا بمعنى الذي لم يجز حتى تزيد فيه، و ذلك أنك تحتاج بعد المضاف إليه إلى صلة، فيصير بعد المضاف إليه و بعد الصلة بمنزلة اسم واحد، فتزيد ما يكون به كلاما، و ذلك قولك: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرم تهين، فنكرم صلة لأيّ، فإن شئت أثبتّ الهاء فقلت: نكرمه، و إن شئت نزعتها و لا يتغير لفظ أيّ بنزع الهاء من نكرمه؛ لأن نكرمه في الصلة، و تصب أيّا ب (تهين) فكأنك قلت: زيدا تهين، و لو قلت: تهينه لرفعت (أيّ من)، و لو جعلت أيّ للمجازاة جزمت نكرم، فيصير فعل الشرط، و يحتاج إلى جواب، فتأتي بما يكون جوابا، و ذلك قولك: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرم تهن، بنصب أيّا ب (نكرم) لا ب (تهن)، و لو كان نكرمه لرفعت أيّا؛ لأنّ نكرم شرط لأيّ، و الشرّط يعمل في الاسم و ينصبه، و أمّا تهن فتقديره: تهنه، و إنّما تحذف الهاء لما قد جرى من ذكره.
و تقول: أيّ من يأتينا يريد صلتنا فنحدّثه، فيستحيل في وجه و يجوز في وجه؛ أمّا الوجه الذي يستحيل فيه فهو أن يكون (يريد) في موضع مريد إذا كان حالا وقع فيه الإتيان؛ لأنّه معلّق بيأتينا، كما كان فيها معلّقا برأيت في: أيّ من رأيت في الدار أفضل، و تقديره: أيّ من يأتينا مريدا صلتنا، و مريدا حال من ضمير الفاعل في يأتينا، و هو ضمير (من) فصار المضاف إليه إلى قولك صلتنا، فكأنّك قلت: أيّهم فنحدّثه فلا يجوز، كما لا يجوز: زيد فنحدّثه، و لو حذفت الفاء جاز فقلت: أيّ من يأتينا مريدا صلتنا نحدّثه، و نحدّثه خبر (أيّ من).
فأمّا الوجه الذي تجوز فيه المسألة فأن تجعل يريد خبر أيّ، و صلة (من) يأتينا حسب؛ فكأنك قلت: أيّهم يريد صلتنا في معنى: مريد صلتنا فنحدّثه، نصب جواب الاستفهام، و إن شئت رفعته عطفا على يريد.
و تقول أيّ من إن يأته من إن يأتنا نعطه يعطه تأت يكرمك؛ أيّ للمجازاة، و من الأولى في موضع خفض بإضافة أيّ إليه، و معناه معنى الذي، و صلته الشرط، و الجواب من قولك: إن يأته إلى يعطه؛ لأنّ من الثانية فاعل يأته، و هو في موضع رفع، و معناه: الذي، و صلته: إن يأتنا نعطه، فتصير من الثانية مع صلته اسما بمنزلة زيد، فكأنك قلت: أيّ من إن يأته زيد يعطه، و من بمنزلة الذي و صلته الشرط و الجزاء فتصير الأولى و ما بعدها من الشرط و الجزاء بمنزلة اسم فكأنّك قلت: أيّ القوم تأت، فتنصب أيّا ب (تأت)، و يكرمك الجواب، و أيّ للمجازاة، و الناصب لأيّ: تأت.