شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٦٠
فضله البخل هو خيرا لهم. و في هذه القراءة استشهاد سيبويه، و هي أجود القراءتين في تقدير النحو، و ذلك أنّ الذي يقرأ بالتّاء يضمر البخل من قبل أن يجرى لفظ يدل عليه، و الذي يقرأ بالياء يضمر البخل بعد ما ذكر يبخلون، كما قال: من كذب كان شرّا له، فجعل في كان ضمير الكذب؛ لأن كذب قد دلّ عليه.
و أما قوله عز و جل: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَ وَلَداً [١] فإنما جاز في أنا الصّفة و الفصل؛ لأن النون و الياء في ترني ضمير، و قد يوصف الضمير بالضمير و يؤكّد، و لو قلت: إن تر زيدا هو أقلّ منك مالا لم يجز فيه غير الفصل.
و أمّا (كلّ مولود يولد على الفطرة) فإنه يمكن أن يجعل الرّفع من ثلاثة أوجه:
الوجهان اللذان ذكرهما سيبويه، و الثالث أن تجعل في تكون ضمير الأمر و الشأن، فإذا أثنّي على قول من أضمر المولود في يكون: كل مولودين يولدان على الفطرة حتى يكونا أبواهما، و في الجميع: حتى يكونوا آباؤهم، و يفرد؛ يكون على قول من رفع به أبواه، أو جعل فيه ضمير الأمر و الشأن؛ لأن ضمير الأمر و الشأن لا يثنى و لا يجمع.
و أما قوله: هذا عبد اللّه هو خير منك، فإن سيبويه و أصحابه لا يجيزون فيه النّصب إذا أدخلت هو؛ لأن نصبه على الحال لتمام الكلام قبله، من أجل أن (هذا) مبتدأ، و عبد اللّه خبره، و (خيرا منك) حال، كما تقول: هذا زيد قائما، فإذا أدخلت هو جعلت هو مبتدأ، و ما بعده خبره، و الجملة في موضع الحال، و لهذا أنكروا قراءة من قرأ: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، و لا يجيزون فيه اسما معرفة لأنه ليس بخبر؛ لا يقولون: هذا زيد الراكب و القائم، و الذي يجيزه يجري هذا مجرى كان، و عبد اللّه مرتفع بهذا، و الاعتماد في الإخبار على الاسم المنصوب، و الذي يجيزه الكسائي. و الفرّاء لا يجيز النصب، و كذلك أبو العباس ثعلب، و كرهت إطالة الكتاب باحتجاج بعضهم على بعض، و باقي الباب مفهوم.
هذا باب لا تكون فيه هو و أخواتها فصلا و لكن يكنّ بمنزلة اسم مبتدإ
قال سيبويه:" و ذلك: ما أظنّ أحدا هو خير منك، و ما أجعل أحدا هو أفضل منك؛ لم يجعلوه فصلا و قبله نكرة، كما أنه لا يكون وصفا لنكرة، و كما أنّ كلّهم
[١] سورة الكهف، الآية ٣٩.