شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٥٣
و قال تعالى: وَ يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَ [١].
و إنما يكون الفصل في الأفعال التي الأسماء بعدها بمنزلتها في الابتداء.
فأمّا ضربت و قتلت و نحوهما فإن الأسماء بعدها بمنزلة المبنيّ على المبتدإ، و إنّما كان يذكر قائما بعد ما يستغنى الكلام و يكتفي، و ينتصب على أنّه حال، فصار هذا كقولك: رأيته إيّاه يوم الجمعة.
و أمّا نفسه حين قلت: رأيته إيّاه نفسه، فوصف بمنزلة هو، و إياه بدل، و إنما ذكرتهما توكيدا، كقوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [٢]؛ إلا أنّ إيّاه بدل و النفس وصف، كأنك قلت: رأيت الرجل زيدا نفسه، و زيد بدل و نفسه على الاسم.
و إنّما ذكرت هذا للتمثيل. و إنما كان الفصل في أظنّ و نحوه لأنّه موضع يلزمه فيه الخبر، و هو ألزم له من التوكيد؛ لأنه لا يجد منه بدا. و إنما فصل لما لا بدّ له منه، و نفسه يجزئ من إيّا، كما تجزئ منه الصفة؛ لأنّك جئت بها توكيدا و توضيحا، فصارت كالصّفة.
و يدلّك على بعده أنك لا تقول: إنك أنت إياك خير منه. فإن قلت: أظنه هو خيرا منه، جاز أن تقول: إياه؛ لأن هذا ليس موضع فصل، و استغنى الكلام به، فصار كقولك: ضربته، و كان الخليل يقول: هي عربيّة: إنك أنت إياك خير منه: فإذا قلت:
إنك فيها إياك، فهو مثل أظنّه خيرا منه، يجوز أن تقول: إياك.
و نظير إيّا في الرفع: أنت و أخواتها.
و اعلم أنها في الفعل أقوى منها في أن تغني إيا في البدل و غيره، و يدلك على أن الفصل كالصفة أنه لا يستقيم أن تقول: أظنّه هو إياه خيرا منك، إذا كان أحدهما لم يكن الآخر، و لا يجوز: أظنّه هو هو أخاك، إذا جعلت إحداهما صفة و الأخرى فصلا؛ لأنّ كل واحدة منهما تجزئ من أختها).
قال أبو سعيد: بدأ سيبويه في هذا الباب بالفعل الذي لا يجوز فيه الفصل، و يجوز فيه التّوكيد و البدل، و هو كلّ فعل لم يتعلق باسمين أحدهما هو الآخر، فإذا تعلّق الفعل بمفعول واحد أو تعلّق بمفعولين أحدهما غير الآخر لم يكن فيه فصل.
[١] سورة سبأ، من الآية: ٦.
[٢] سورة الحجر، الآية: ٣٠، و سورة ص، الآية: ٧٣.