شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٣٣
و أمّا قط، و لدن، و عن فإنهن تباعدن من الأسماء، و لزمهنّ ما لا يدخل الأسماء المتمكنة، و هو: السكون فإنّما يدخل ذلك الفعل نحو: خذ وزن، فضارعت الفعل و ما لا يجرّ، و هو ما أشبه الفعل، فأجريت مجراه و لم يحرّكوه".
قال أبو سعيد: اعلم أن (ني) في ضمير المنصوب النون فيه زائدة، و الضمير الياء، و النون مجتلبة لعلّة؛ و هي أنهم حرسوا أواخر الأفعال من دخول كسرة عليها؛ لتباعد الأفعال من الجر، و الكسرة لفظها لفظ الجر، و ذلك أن ياء المتكلم يكسر ما قبلها إذا كان مما يحرك، فلما كرهوا كسر الفعل و آثروا سلامة لفظه أدخلوا قبل الياء نونا تقع عليها الكسرة التي تحدثها الياء، و ذلك قولك: ضربني و يضربني و أكرمني و يكرمني، و أدخلوا النون أيضا فيما كان من الفعل المعتل الذي لا يتحرك آخره كقولك: أعطاني يعطيني و يدعوني و يخشاني، و نحو ذلك؛ لأن النون لمّا لزمت في جميع الأفعال الصحيحة لما ذكرناه صار لفظ النون مع الياء كأنه الضمير.
و أيضا فإن من المعتل ما في آخره واو ساكنة ك (يدعو و يعدو)، و إذا دخلت الياء وجب قلب الواو ياء، كما يجب في الأسماء إذا قلت: هذه عشري، و هؤلاء ضاربي، و الأصل: عشروي و ضاربوي. و قد بين سيبويه أن دخول النون في الفعل إنما هو لكراهية الكسر في الفعل، و منعهم إياه الكسر، كما منعوه الجر بقوله: و إنما قالوا في الفعل: ضربني و يضربني؛ كراهية أن يدخلوا الكسر في هذه الباء كما يدخل الأسماء، فمنعوه أن يدخله كما منع ...
و أجاب من عارضه بكسرة: اضرب الرّجل، بأنها كسرة تحدث لالتقاء الساكنين و لا يعتدّ بها.
و لما أجريت إنّ و أخواتها مجرى الفعل لزمها من علامة الضمير ما يلزم الفعل، إلا أنّ العرب قد تكلمت فيها بإسقاط النون منها، و أكثر ذلك في: إنّ، و أنّ، و كأن، و لعل، فقالوا: إنّني، و إنّي، و كأنني، و كأني، و لعلني، و لعلي، و في علة حذفها أقاويل للنحويين.
فأما سيبويه فاعتلّ لحذفها أنها كثرت في كلامهم، و لاجتماع النونات، و هم مستثقلون التضعيف، و لعل و إن لم يكن آخرها نونا فإن اللام قريب من النون، و لقربها من النون تدغم النون فيها، و لا تدغم في النون غير اللام من بين الحروف.
و أما ليت فلم يكن في آخرها نون و لا حرف يشبه النون و يقرب منها، فلزمتها النون فقالوا: ليتني، و قلّ في كلامهم ليتي، إلا عند الضرورة.
و جواز الحذف مع ذلك في هذه الحروف؛ لأنها و إن كانت مشبّهة ليست بأفعال،