شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٣٠
و الذي يفعل سببه بنفسه فقولك: ضربت زيدا، و قتلت عمرا، فلما كان سبيل الفعل الذي لا يعتمد به الإنسان الفاعل غيره أن لا يكون له مفعول وجب أن لا يقول:
ضربتني، و شتمتني، و لما كان الفعل الذي يعتمد به غيره في مقاصد الناس و عاداتهم قد يعرض فيه أن يعتمد الفاعل نفسه على سبيل ما كان يعتمد غيره أتوا بلفظ النفس، و أضافوه إليه فقالوا: ضربت نفسك، و ضرب زيد نفسه، و شبّهوه من جهة اللفظ لا المعنى ب (ضرب زيد غلامه) لأنّ المضاف في الأصل ليس بالمضاف إليه، فجعلوا نفسه في حكم اللفظ كأنها غيره.
و بعض النحويين ذكر أنه مما يمنع تعدّي الفعل إلى فاعله: دخول اللّبس الكلام؛ لأنه إذا قال: ضربتني و ضربتك، فأوقعت فعلك على نفسك، و فعل من تخاطبه على نفسه، لزمك في الغائب أن تقول: ضربه، فتوقع فعل الغائب على نفسه بالكناية، فلا يعلم لمن (الهاء)؟ للّذي خبّرت عنه بالفعل أو لآخر؟ فيدخل الكلام اللّبس، فإذا قلت: ضرب نفسه بان لك؛ لأنك لم تعن نفس غيره، فلهذا ما أدخلت النفس، و لم يقع موقعها المكنيّ.
و أما حسبتني، و أظنّني، و أجدنني و وجدتني أفعل كذا، و رأيتني من رؤية القلب، و ما جرى مجرى ذلك مما ذكره سيبويه من الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين، و لا يجوز الاقتصار على أحدهما، مما أصله مبتدأ و خبر، فإنما جاز ذلك فيهن؛ لأنّ المقصود بهذه الأفعال: المفعول الثاني، و ليس للأول في الفعل نصيب؛ لأنك إذا قلت: حسبت زيدا منطلقا، فالمحسبة لم تقع على زيد، و إنما وقعت على الانطلاق، و كان الضمير المتصل أخفّ في اللفظ من المنفصل و من النفس، فاستعملوا الأخفّ فيه.
و قد جاء في فعلين سوى هذه الأفعال تعدّي فعل الفاعل إلى ضميره و هو: فقدتني، و عدمتني، و إنما جاز ذلك لأنه محمول على غير ظاهر الكلام و حقيقته؛ لأن الفاعل لا بد من أن يكون موجودان و إذا عدم نفسه صار عادما معدوما، و ذلك محال.
و إنما جاز ذلك لأن الفعل له في الظاهر، و المعنى لغيره؛ لأنه يدعو على نفسه بأن يعدم، فكأنه قال: عدمني غيري، قال جران العود:
لقد كان لي عن ضرتين عدمتني
و عن ألاقي منهما متزحزح
هما الغول و السّعلاة حلقي منهما
مخدّش ما بين التّراقي مكدّح [١]