شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٢٩
و ضربتني، و ضربتك، و نحو ذلك، على أنّ الفاعل بكلّيته لا يكون مفعولا بكليته، فأبطلوا من أجله ضربتني، و ضربتك، و اضربك، و ما أشبهه، و هذا كلام إذا فتّش و سبر لم يثبت؛ و ذلك لأنّ المفعول الصحيح ما اخترعه فاعله، و أخرجه من العدم إلى الوجود، كنحو خلق اللّه عزّ و جلّ الأشياء التي كوّنها و لم تكن كائنة من قبل، و كنحو ما يفعله الإنسان من القعود و القيام و الضرب و الشّتم، و لا يجوز أن يكون الفاعل في ذلك مفعولا؛ لأنه لا بدّ من أن يكون الفاعل موجودا قبل وجود المفعول؛ لأنّه لا يفعل إلا ما كان قادرا عليه قبل فعله، و لا يكون قادرا على الشيء إلا و القادر موجود، و المقدور عليه معدوم؛ لأن معنى قادر عليه: قادر على أن يوجده و يكوّنه. هذا حقيقة معناه، و قولهم: فلان قادر على فلان، و المقدور عليه موجود، إنما هو مجاز، و حقيقته: أنه قادر على تصريفه فيما يريده منه، فإذا قلنا: ضرب زيد عمرا فالذي فعله زيد إنما هو الضرب، و كذلك: شتمه و ذكره، و هذا شيء يحيط العلم به، و بأنّ زيدا لم يفعل عمرا، و إنما إطلاق النحويين أنه مفعول مجاز، و المراد أنه فعل به ضربا أو شتما، أو نحو ذلك مما يحدثه فيه أو يقصده به.
فإذا قال القائل: ضربتني أو شتمتني، أو قال: ضربتك، و شتمتك، فالمفعول الصحيح إنما هو الضرب و الشتم، و المتكلم و المخاطب كزيد في: ضربت زيدا و شتمته، و ليس زيد بمفعول صحيح على ما بيّناه، و لم تبطل ضربتني و شتمتني لفساد معناه استحالته، و كيف يستحيل ذلك و أنا إذا قلت: ضربت زيدا قائما أوقعت ضربا بشيء من جسمه بيدي أو بخشبة أو غيرها، و كذل شتمته إنما هو ذكرى له بشيء من السوء، و ذلك الضرب قد أوقعه بشيء من جسمي على النحو الذي أوقعه بزيد، و ذلك الذّكر السّيئ غير مستحيل أن أذكر نفسي به كما ذكرت زيدا، و لكنّ العرب لا تتكلم بذلك؛ لأن فعل الإنسان يكون على ضربين:
أحدهما: فعل يفعله بنفسه لا يعتمد به غيره. فهذا الفعل لا يكون له مفعول، و إن كان قد فعله الإنسان بنفسه؛ كقولك: قام زيد، و قعد، و ذهب و نحوه، فقد فعل القيام و القعود بنفسه، و معنى قولنا فعل بنفسه: أنه أحلّ القيام و القعود بنفسه و أوجده في نفسه دون غيره.
و الآخر: فعل يعتمد به غيره، فلا بدّ أيضا في ذلك أن يفعله بنفسه، و يعتمد به غيره، أو يفعل سببه بنفسه، و يعتمد به غيره.
فأما ما يفعله بنفسه و يعتمد به غيره فقولك: شتمت زيدا، و ذكرت زيدا، و مدحت عمرا.