شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٢٧
و أعطاك إيّاي، و هذا ترتيب سيبويه و حكايته عن العرب، و حكى عن النحويين قياسا لم يرتضه.
و أبو العباس المبرّد يذهب إلى قول النحويين و قياسهم، و يجعل إضمار الغائب و المتكلم و المخاطب في التقديم و التأخير سواء، و يجيز: أعطاهوك و أعطاهوني و أعطاكني، و يستجيده، و يراد صحيحا، و يستحسن منحتنيني و يستجيده، و قد تقدم في شرحنا ذكر ترتيب المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب بما أغنى عن ذكره هاهنا.
و قد رأيت غير سيبويه يخيّر بين المتصل و المنفصل، و يجيزهما في: أعطيتكه و أعطيتك إيّاه؛ لأن المفعول الثاني ليس يلاقي الفعل و لا يلتزق به، و الأول إمّا أن يلقى ذات الفعل أو يلقى ضمير الفاعل المجعول معه كشيء واحد، و إيجاب سيبويه أعطاه إيّاك، و تصحيحه له يقوّى ذلك؛ لأن تعلق المفعولين بالفعل من باب واحد، و اختلاف المفعولين في ترتيبهما ليس يغيّر حكم تعلقهما بالفعل، و عمل الفعل فيهما.
و لقائل أن تقول: ما الذي أنكر سيبويه من (منحتنيني)، و ليس فيه تقديم بعيد على قريب؟ و هل سبيل (منحتنيني) إلا سبيل (أعطاهوها) و هو مستحسن عنده؟
قيل له: المنكر من (منحتنيني) عند سيبويه أن: (ني) الثانية مؤخرّة و ترتيبه التقديم على كل ضمير، و ليس كذلك أعطاهوها.
و اعلم أنّ: حسبت مع الفاعل منزلته منزلة كان بغير فاعل؛ لأن كان وحدها تدخل على المبتدإ و الخبر فيرتفع بها المبتدأ و ينتصب بها الخبر، و حسبت مع فاعل المحسبة تدخل على المبتدإ و الخبر فتنصبهما؛ لأنه دخل عليهما فعل و فاعل، فانتصبا على أنهما مفعولا حسبت، و لما كان المفعول الثاني من حسبت زيدا منطلقا بمنزلة خبر كان في قولك: كان زيد منطلقا، و كان الاختيار في إضمار خبر كان أن يكون منفصلا على ما تقدم من ذكره، وجب أن يكون المفعول الثاني من حسبت كذلك؛ و لأن ذلك خبره يقع موقعه الفعل و الجملة و الظرف غير المتمكن، كما أن خبر كان كذلك، تقول: حسبتك إيّاه و حسبتني إيّاه، كما تقول: كنت إيّاه، و حسبتنيه و تحسبنيه قليل، كما أن كنته و كنتني و عمرو كانه زيد قليل، و باقي الباب مفهوم بإذن اللّه.
هذا باب لا يجوز فيه علامة المضمر المخاطب و لا علامة المضمر المتكلم، و لا علامة المضمر المحدّث عنه الغائب
قال سيبويه:" و ذلك أنه لا يجوز لك أن تقول للمخاطب: اضربك، و لا اقتلك،