شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٠٦
عامله بالتقدّم عليه، و بالفصل بينه و بينه، فضميره منفصل من عامله.
و من المنفصل أيضا ضمير الاسم الذي لا لفظ يعمل فيه فيتصل به.
و جملة الضمير تجري مجرى حروف المعاني التي تستعمل في الأشياء المختلفة، و هي حروف قليلة محصورة تستعمل فيما لا يحصي من الأسماء و الأفعال، كحروف العطف، و حروف الخفض، و حروف النصب في الأسماء و الأفعال، و حروف الجزم و حروف الاستفهام و ما جرى مجراهن، و كذلك الضمائر هي ضمائر أسماء مختلفة بألفاظ قليلة محصورة تتكرر على كل المضمرات، فلما كانت كذلك قلّلت حروفها، فجعل ما كان منها متصلا على حرف، إلا أن يكون هاء فيزاد عليه حرف آخر لخفائه، كالتاء في قمت، و الكاف في ضربتك، و جعل بعض المتصل في النية كالضمير في أفعل و نفعل و تفعل، و في زيد قام، و زيد في التثنية و الجمع، و احتمل أن يكون على حرف واحد؛ لأنه يتصل بما قبله من حروف الكلمة.
و إذا كان منفصلا كان على حرفين أو أكثر؛ لأنه لا يمكن إفراد كلمة على حرف واحد، و المنفصل منفرد عن غيره بمنزلة الاسم الظاهر، و هذه سبيل حروف المعاني؛ منها ما هو على حرف واحد كواو العطف و الباء و اللام، و منها ما هو على أكثر من حرف ك (عن و على).
و من أجل أنّ المتصل أقلّ حروفا من المنفصل كان النطق بالمتصل أخفّ، فلم يستعملوا المنفصل في المواضع التي يقع فيها المتصل؛ لأنهم لا يؤثرون الأثقل على الأخفّ إلا في الضرورة، و هذا الذي ضمّنه سيبويه الباب حين قال: (لا يقع أنت موضع التاء في فعلت، و لا أنتما في موضع تما التي في فعلتما، و سائر ما ذكره إثر هذه إلى آخر الباب.
فإن قال قائل: فلم تغيرت حروف المضمرات و صيغتها في الرفع و النصب؟ فيقال:
أنت في الرفع، و إياك في النصب، و التاء في ضربتك للمرفوع، و الكاف للمنصوب، و من سبيل الأسماء الظاهرة أن لا تتغير حروفها و صيغتها كقولك: (هذا زيد)، و (رأيت زيدا) و (مررت بزيد)؟
قيل: لمّا كانت الضمائر واقعة مواقع الأسماء المعربة المختلفة الإعراب، و هي مبنية، جعلوا العوض من الإعراب الدّال على المعاني المختلفة تغيير صيغة؛ ليدلّ على مثل ما دلّ عليه الإعراب و هو مبني.