من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣ - قتل الإنسان ما أكفره
دون أحد سواه. وقد جاء في الروايات: أن الذي يفر من أخيه: قابيل من هابيل، وقيل: بل هابيل يفر من قابيل لكيلا يطلب منه الشفاعة، ولعلهما جميعا يفران من بعضهما.
[٣٥] وبعد العلاقة الأخوية تأتي علاقة الولد بوالديه والتي تنفصم يومئذ إلى درجة ترى المرء يهرب من والديه فكيف يستطيع الوالدان الاعتماد عليه يومئذ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ أفلا ينبغي إلا نترك ديننا لرضا آبائنا الذين قد لا ينفعوننا في الدنيا فكيف بالآخرة وكم منا من تنازل عن قيمه ولم يميز الحلال والحرام من أجل أبويه فهل ينفعونه غدا شيئا؟!.
[٣٦] أما صلة الإنسان بزوجته أو أبنائه فهي الأخرى لا تغنيه يومئذ عن عذاب الله فلا يهلك نفسه اليوم لهذه الصلة الزائلة. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ قالوا: الذي يفر من صاحبته لوط، ومن ابنه نوح. عن الرضا عليه السلام من قصة الشامي مع أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة قال
[كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
عليه السلام
بِالْكُوفَةِ فِي الْجَامِعِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فَكَانَ فِيمَا سَأَلَهُ أَنْ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَ
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ
عليه السلام
قَابِيلُ يَفِرُّ مِنْ هَابِيلَ، وَالَّذِي يَفِرُّ مِنْ أُمِّهِ مُوسَى، وَالَّذِي يَفِرُّ مِنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمُ، وَالَّذِي يَفِرُّ مِنْ صَاحِبَتِهِ لُوطٌ، وَالَّذِي يَفِرُّ مِنِ ابْنِهِ نُوحٌ يَفِرُّ مِنِ ابْنِهِ كَنْعَان] [١].
[٣٧] لماذا يفرون من بعضهم؟ إنما لهول الحساب وخشية العذاب، لذلك فإن كل لهثهم في إنقاذ أنفسهم. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وإنما يصرف الإنسان المزيد من جهده للآخرين، أما في الآخرة فلا يبقى لفكره وجهده ووقته فضل حتى يوفر لغيره حتى ولو كانوا الأقربين.
[٣٨- ٣٩] وهكذا الإنسان أكرم في الدنيا بهذه الكرامة العظيمة ليحاسب غدا بذلك الحساب العظيم، وتكون عاقبته- لو تحمل مسؤوليته كاملة هنا- النعيم، تنعكس على روحهم بالبشارة، وعلى ملامح وجوههم بالبشر والبشاشة. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ قالوا يعني: مضيئة متهللة، من أسفر الصبح إذا أضاء، ويبدو لي أن معناه: منشرحة منبسطة، وقيل: كل ذلك من صلاة الليل، بل وأيضا من سائر أعمالهم الصالحة. ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وانبساط وجوه المؤمنين انعكاس لانعدام الهم، أما ضحكهم فدليل انبهارهم بالنعم، في حين أن استبشارهم يعكس رجاءهم في نعيم ربهم أو بشاشتهم برضوان ربهم، وهو أغلى منى يبحث عنه المؤمنون.
[٤٠] أما الذين لم يتحملوا مسؤولياتهم فإنهم يصابون بإحباط شديد، تعلو وجوههم
[١] بحار الأنوار: ج ٧، ص ١٠٥.