من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢ - قتل الإنسان ما أكفره
ورد: [أَنَّ أَبَا بَكْرٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَفَاكِهَةً وَأَبّاً فَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى الْأَبِّ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي؟ أَمْ أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي؟ أَمْ كَيْفَ أَصْنَعُ إِنْ قُلْتُ فِي كِتَابِ الله تَعَالَى بِمَا لَا أَعْلَمُ؟ أَمَّا الْفَاكِهَةُ فَنَعْرِفُهَا وَأَمَّا الْأَبُّ فَاللهُ أَعْلَمُ بِهِ. فَبَلَغَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عليه السلام مَقَالُهُ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ
يَا سُبْحَانَ الله أَمَا عَلِمَ أَنَّ الْأَبَّ هُوَ الْكَلَأُ وَالمَرْعَى وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى
وَفَاكِهَةً وَأَبّاً
اعْتِدَادٌ مِنَ الله تَعَالَى بِإِنْعَامِهِ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا غَذَّاهُمْ بِهِ وَخَلَقَهُ لَهُمْ وَلِأَنْعَامِهِمْ مِمَّا يَحْيَا بِهِ أَنْفُسُهُمْ وَتَقُومُ بِهِ أَجْسَادُهُم] [١].
[٣٢] والذي خلق الفاكهة خلق في الإنسان الحاجة إليها، والتلذذ بها والاستفادة منها، والذي خلق الأب (علف الحيوانات) خلق في الأنعام ما ينسجم معه، أوتدري مثلا: أن جسد الأنعام قادرة على استخراج بروتين الحشائش، في حين لا يستطيعه جسم الإنسان، ولذلك ترى الحيوانات تحول ما لا ينتفع الإنسان به من قشور الفاكهة وبقايا النبات إلى بروتين ولحم ليعود بالتالي طعاما للإنسان؟ مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ.
[٣٣] كل هذه النعم المتواصلة التي أسبغها الرب على الإنسان بين سائر الأحياء والنبات تحمله مسؤولية إضافية، فهو المسؤول الوحيد بين سائر الأحياء، وهكذا يبعث بعد موته للحساب والجزاء في يوم الصيحة الكبرى. فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ قالوا: الصاخة: الصيحة، وإنها النفخة الثانية، تصخ الأسماع أي تصمها، وقيل: بل تصخ لها الأسماع، وهي بالتالي مأخوذة من صخه بالحجر أي صكه، ومن هذا الباب قالت العرب: صختهم الصاخة ونابتهم النائبة وهي الداهية.
[٣٤] يومئذ تكاد تصم الصيحة آذان الخلائق بقوتها، ولكن الآذان يومئذ غيرها في الدنيا فإن الله جعلها بحيث تستوعب المزيد من الإثارة، كما أن الأجسام تستوعب الآلام وأسباب الموت دون أن تعدم. يومئذ تنقطع الأرحام، وتنفصم عرى العلاقات، وتتلاشى الأحساب والأنساب التي كانت وسيلة للتفاخر في الدنيا، ولا يبقى أثر لهذه القيم البتة يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ والأخ هو أقرب معين للإنسان وقد قال الشاعر
أخاك أخاك فمن لا أخ له
كساع إلى الهيجاء بغير سلاح