من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧١ - هل أتاك حديث الغاشية؟
وهذا تأويل حسن للآية، بيد أن تفسيرها- فيما يبدو من السياق- أعم وأشمل.
روي عن ابن عباس: [أَنَّهُم يُكلفُونَ ارْتِقَاءَ جَبَلٍ مِنْ حَدِيد فِي جَهَنَّم، فَيَنْصِبُونَ فِيهَا أَشَدَّ مَا يَكُونُ مِنَ النصَب، بِمُعَالَجة السَلاسِل وَالأَغْلال وَالخَوْض فِي النار، كَمَا تَخُوض الإِبل فِي الوَحلِ، وَارتِقَائِهم فِي صُعودِ مِنْ نَار، وَهُبوطِهم فِي حُدورٍ منها] [١]. وفي بعض الروايات أنهم يجدون في طرف جهنم باباً إلى الجنة فما يألون جهدا للوصول إليه حتى إذا اقتربوا منه أغلق دونهم. وأنى كان عملهم ونصبهم فإنهم لو عملوا عشر معشار ذلك في الدنيا لكفاهم عملًا ونصباً، ورزقهم الله جنة ونعيما.
[٤] ما عاقبة هذا الفريق الخاسر؟ النار الحامية يذوقون حرها مباشرة ومن دون وقاية. أليسوا قد فجروا في الدنيا ولم يتقوا نار جهنم فيها؟ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً صلى بالنار: لزمها واحترق بها، والحامية: حارة (شديدة الحر). ولعل كل هذه الصفات ذكرت لكي لا تحتمل النار التأويل، فيقول البعض أن النار لا تحرق! أوليست بحارة! أو بينها وبين الإنسان حجاب! كلا .. لا مفر منها ومن لهبها أبدا.
[٥] شدة الحر وتواصل الاحتراق بالنار يجعل أهلها من عطش شديد فيطلبون الماء فلا يعطونه ألف عام وبعده يعرضون على عين آنية. تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ قد بلغت من الحرارة أناها ومنتهاها، وقيل: أن جهنم أوقدت عليها منذ أن خلقت. هكذا يدفعون إليها ورداً شرابا وساءت شرابا وساءت مرتفقا.
[٦] وإذا طلبوا طعاما قدم لهم شيء أمر من الصبر يسمى بالضريع. لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ طعام يتضرع أكله من شدة خشونته ومرارته ونتنه. إنه حسب ما روي عن رسول الله صلى الله عليه واله
[الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ فِي النَّارِ يُشْبِهُ الشَّوْكَ أَمَرُّ مِنَ الصَّبِرِ وَأَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ وَأَشَدُّ حَرّاً مِنَ النَّارِ سَمَّاهُ اللهُ الضَّرِيع]
[٢]. فهل هو نبتة نارية كالزقوم، أم هو عرق أهل النار وما يخرج من فروج الزواني كالغسلين، أم هو شيء آخر، وإذا كانت نبتة فكيف لا تحترق بالنار، وإذا كان عرقا كيف لا يتبخر؟!.
إن العالم الآخر يختلف عن عالمنا، وإنما تتشابه الألفاظ لكي ندرك ما يمكن أن ندرك من ذلك العالم، وإلا فإن كل شيء هناك مختلف عما لدينا، فالنار غير نارنا، وجلود أهلها غير جلودهم هنا، والعقارب والحيات وشجرة الزقوم ليست كأمثالها في الدنيا التي تحترق في لمحة
[١] تفسير القرطبي: ج ٢٠، ص ٢٧، وفي المصدر: ارتقاؤها .. هبوطها .. وأظنها خطأ.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧، ص ١٦٩.