من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٨ - هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون
هذه النعمة، لأنها مكملة لسائر النعم، أو لبيان عظمة هذه النعمة وما فيها من لذة عظيمة لا تقاس بسائر اللذات حتى لذات الآخرة ونعيمها، أو لأن من آداب الشرب عند أهله في الدنيا تنازع الكؤوس بينهم وتنافسهم فيها. وأنى كان فإن التنافس في الرحيق المختوم في ذلك اليوم يتم اليوم في الدنيا بالتسارع في الخيرات، والتنافس فيها، وقد جاء في الأثر أن ترك الخمر في الدنيا ثمن الرحيق المختوم في الآخرة، كما أن ثواب سقاية المؤمن وإطعامه هو الرحيق المختوم.
جاء في وصية النبي صلى الله عليه واله لعلي عليه السلام أنه قال
[يَا عَلِيُّ مَنْ تَرَكَ الْخَمْرَ لِغَيْرِ الله سَقَاهُ اللهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ. فَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام: لِغَيْرِ الله؟ قَالَ: نَعَمْ. والله صِيَانَةً لِنَفْسِهِ يَشْكُرُهُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ]
[١]. وروي عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال
[مَنْ أَطْعَمَ مُؤْمِناً مِنْ جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ ومَنْ سَقَى مُؤْمِناً مِنْ ظَمَإٍ سَقَاهُ اللهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ]
[٢]. وروي
[مَنْ صَامَ لله في يَوْمٍ صَائفٍ سَقَاهُ اللهُ عَلَى الظَمَإِ مِنْ الرَّحِيْقِ المَخْتُومِ] [٣].
[٢٧] قيل: إن في الجنة عينا تجري في الهواء ثم تصب في كؤوس الأبرار، وقالوا: إنها تجري من تحت العرش وتسمى بالتسنيم، لأنها في أعلى الجنة، وهي شراب المقربين خالصا، ويضاف شيء منه إلى شراب الأبرار فيعطيه نكهة خاصة ليس فقط لأنه عظيم اللذة، بل ربما أيضا لأن فيه أثرا من روح المقربين وريحهم، وعبق درجاتهم المتسامية، وقالوا: إنه أشرف شراب في الجنة، قال الله سبحانه وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ قال الرازي: [تسنيم عَلَم لعين بعينها في الجنة، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه، إما لأنها أرفع شراب في الجنة، أو لأنها تأتيهم من فوق على ما روي: أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في أوانيهم، وإما لأنها لأجل كثرة مائها وسرعته تعلو على كل شيء تمر به وهو تسنيمه، وإما لأنها عند الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض فهو التسنيم أيضا، وذلك لأن أصل هذه الكلمة للعلو والارتفاع ومنه سنام البعير، وتسنمت الحائط إذا علوته] [٤]. وقال بعضهم: [إن كل عين تجري من الأعالي تسمى بالتسنيم]، وبالرغم من أن هذا أقرب المعاني إلى سياق الآية إلا إني لم أجد مصدراً لغويًّا يُصَرِّح بذلك وإن كان مساق التحليل اللغوي يؤيد ذلك.
[٢٨] وللجنة درجات تتعالى حتى تتصل بعرش الله، فعنده جنات عدن حيث منازل المقربين من عباده الأنبياء والصديقين، وقد بينت سورة الواقعة جانبا من الفرق بين درجات المقربين السابقين ودرجات أصحاب اليمين، وفي هذه السورة إشارة إلى جانب منه، حيث إن
[١] الكافي: ج ٦، ص ٤٣٠.
[٢] الكافي: ج ٢، ص ٢٠١.
[٣] بحار الأنوار: ج ٨، ص ١١٤.
[٤] التفسير الكبير: ج ٣١، ص ١٠٠.