من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٩ - ألهاكم التكاثر
عليه السلام يكتب لمحمد بن أبي بكر
[يَا عِبَادَ الله، مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِمَنْ لَم يُغْفَرُ لَهُ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ، الْقَبْرُ، فَاحْذَرُوا ضِيقَهُ وَضَنْكَهُ وَظُلْمَتَهُ وَغُرْبَتَهُ، إِنَّ الْقَبْرَ يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، أَنَا بَيْتُ التُّرَابِ، أَنَا بَيْتُ الْوَحْشَةِ، أَنَا بَيْتُ الدُّودِ وَالْهَوَامِّ، وَالْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النيرَان، إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا دُفِنَ قَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ، مَرْحَباً وَأَهْلًا، لَقَدْ كُنْتَ مِمَّنْ أُحِبُّ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِي، فَإِذَا وُلِّيتُكَ فَسَتَعْلَمُ كَيْفَ صَنِعِي بِكَ، فَتَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ الْبَصَر. وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا دُفِنَ قَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ لَا مَرْحَباً وَلَا أَهْلًا، لَقَدْ كُنْتَ مِنْ أَبْغَضِ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي، فَإِذَا وُلِّيتُكَ فَسَتَعْلَمُ كَيْفَ صَنِعِي بِكَ، فَتَضُمُّهُ حَتَّى تَلْتَقِيَ أَضْلَاعُه] [١].
[٥] لو علم الإنسان ما يصير إليه لما ألهاه التكاثر لأن المعرفة تورث الخشية، هكذا قال ربنا سبحانه إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨] ولكن حجب الشك والغفلة والشهوات تمنع عنه بصائر العلم واليقين. كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ إذا أسلمت النفس البشرية لهدى الله آمنت، وإذا طهرت من الشكوك والظنون أوتيت اليقين، ولليقين درجات، وما أوتي الإنسان أشرف من اليقين، هكذا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر عليه السلام حيث قال
[إِنَّمَا هُوَ الْإِسْلَامُ، والْإِيمَانُ فَوْقَهُ بِدَرَجَةٍ، والتَّقْوَى فَوْقَ الْإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ، والْيَقِينُ فَوْقَ التَّقْوَى بِدَرَجَةٍ، ولَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ النَّاسِ شَيْءٌ أَقَلُّ مِنَ الْيَقِينِ،
قَالَ قُلْتُ: فَأَيُّ شَيْءٍ الْيَقِينُ؟. قَالَ عليه السلام
التَّوَكُّلُ عَلَى الله، والتَّسْلِيمُ لله، والرِّضَا بِقَضَاءِ الله، والتَّفْوِيضُ إِلَى الله]
[٢]. هكذا جعل الإمام أسمى درجات الإيمان وأشرفها اليقين، مما يدل على أن اليقين هو: طهارة القلب من دنس الشرك والشك والظنون، وسائر وساوس إبليس وهمزاته.
وجاء في حديث آخر تفسير اليقين بالتغلب على خوف المخلوق، قال الإمام الصادق عليه السلام
[لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا ولَهُ حَدٌّ، قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَمَا حَدُّ التَّوَكُّلِ، قَالَ الْيَقِينُ قُلْتُ فَمَا حَدُّ الْيَقِينِ، قَالَ أَلَّا تَخَافَ مَعَ الله شَيْئاً]
[٣]. واليقين يجعل عمل المؤمن مقبولا، بل ويعظم ثوابه، يقول الإمام الصادق عليه السلام
[إِنَّ الْعَمَلَ الدَّائِمَ الْقَلِيلَ عَلَى الْيَقِينِ أَفْضَلُ عِنْدَ الله مِنَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ] [٤].
أرأيت الذي يصلي وقلبه متصل بنور الله، ونفسه طاهرة من الرياء، والعجب والاستكبار، ويجاهد، ونيته لله وحده، كمن يصلي وقلبه مليء بالوسواس، ويزكي رياء، ويجاهد للاستعلاء في الأرض؟! لذلك كان أئمة الهدى عليهم السلام يجأرون إلى الله في طلب الزيادة من اليقين، ويحثون
[١] بحار الأنوار: ج ٦، ص ٢١٩.
[٢] بحار الأنوار: ج ٦، ص ٢١٨.
[٣] الكافي: ج ٢، ص ٥٧.
[٤] الكافي: ج ٢ ص ٥٧.