من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٢ - أولئك هم خير البرية
إنه الشرك بالله، حيث يقدس كل حزب شيئاً لم يأذن الله به، فتختلف المقدسات، وتتفاوت القيم، ويقع الخلاف، بينما إذا كانوا جميعاً يرجعون إلى تلك البصائر التي جاء بها الوحي ولم يقدسوا مصلحة أو أرضاً أو عشيرةً أو أشخاصاً من دون الله إذا توحدت كلمتهم، وصلحت أمورهم. وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ دون الأنداد والشركاء الموهومين، ولا تتم العبادة إلا بالتسليم لله وحده، ونبذ الخضوع لأية قيمة أو سلطة من دونه. مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ يبدو أن معنى الدين هو: ما يخضع له الإنسان من تلقاء نفسه من شريعة أو نظام، وخلوصه رفض ازدواجية الولاء بين الله والرسل والأولياء، وبين سائر السلطات المادية، وهذا ما لم يستقم عليه أهل الكتاب، إذ تراهم ابتدعوا الكلمة الشائعة: ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، ومن اتبع هوى قيصر كيف يخلص دينه لله؟!.
وقد سبق منا اختيار معنى الطهر لكلمة الحنيف، فلماذا تأتي الكلمة بعد بيان الإخلاص في الدين؟ لعل التوحيد درجات: أولها الشهادة به لساناً، وعقد القلب به مجملا، وثانيتها: رفض الأنداد، ومواجهتهم، والتمرد ضد سلطانهم، والثالثة: تطهير القلب من حبهم أو الميل إليهم، وتطهير الفكر من رواسب ثقافتهم، وتطهير السلوك من آدابهم وأخلاقهم. وهذه درجة الحنيفية والله العالم. ومن أبعادها الالتزام بشرائع الله: من إقامة الصلاة على وجهها، إلى الخضوع فيها وتعاهدها دائما، وكذلك إيتاء الزكاة. وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ قالوا: دين الكتب القيمة، بدلالة قوله: آنفا فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ بلى، إنها كتب لا عوج فيها ولا تعقيد، ولا تفاوت ولا اختلاف. ولا نشوز عن فطرة البشر أو حقائق الخلق.
[٦] لا يجوز الاختلاف بين أتباع دين واحد، كما لا يمكن توحيد دين الحق ومذهب الباطل، بل لا بد أن يبقى الخلاف ماثلا بين الحق والباطل وهو أساس توحيد الله، وحينما ينماث الخلاف بينهما هنالك يغلب الباطل ويهزم أهل الحق، وهكذا يذكرنا السياق هنا بأن الكفار هم شر البرية. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ لقد زعم بعض أحبار النصارى الأسبقون أنهم يخدمون دين الله لو أدخلوا فيه بعض التعديلات، واستخدموا كلمات الفلسفة لبيان مقاصده، حتى استقرضوا من الثقافات الشركية بعض مفاهيمها وألفوها مع حقائق الوحي، ثم داهنوا القياصرة والمترفين فتنازلوا لهم عن الدنيا ليسمحوا لهم بممارسة طقوسهم الدينية الفارغة.
كلا .. إن المشركين هم شر البرية، ومن كفر من أهل الكتاب بقيم الدين الحق وداهن المشركين فهو مثلهم تماما شر البرية، وفي ذلك إنذار بالغ الوضوح لنا- نحن المؤمنين بالقرآن- ألا نحذو حذو علماء اليهود والنصارى فنهادن الطغاة، ونصانع المستكبرين طمعاً في اعترافهم