من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩١ - أولئك هم خير البرية
عوجا ولا زيغا. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ يبدو أن معناها: الحقائق المكتوبة التي لا شبهة فيها وريب، وهي واضحة لا لبس فيها ولا غموض، مستقيمة لا زيغ فيها ولا تحريف، وعلى هذا فالكلمة أشارت إلى الآيات المحكمة التي هي تكفي الإنسان هدى ونورا، والتي إليها يرجع ما تشابه من آيات الذكر بسبب تساميها عن مستوى كل الناس، وتخصصها بالراسخين في العلم منهم فقط.
[٤] ولعل البعض يتشابه عليه الأمر، فيظن أن تفرق أهل الكتاب واختلافهم في الدين كان من نقص في الحجة، فإذا تمت الحجة واكتملت البينة فلا أحد يختلف مستقبلا في الدين، كلا .. إن الكتاب يوفر للناس فرصة الهداية، ولكنه لا يفرضها عليهم فرضاً، فإن آمنوا به فقد اهتدوا، وإلا فهم المسؤولون عن ضلالهم وشقائهم وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ يبدو أن أشد الضلال عند أهل الكتاب تفرقهم، أليس الإيمان بالله ورسله وشرائعه يوحد أهله في إطار الغايات التي يرسمها، والمناهج التي يفرضها، والسلوك الذي يوصي به؟. [... لقد تفرق اليهود إلى اثنين وسبعين فرقة، أبرزهم طوائف (الصدوقيين) و (الفريسيين)، و (الآسيين)، و (الغلاة)، و (السامريين)، وكان لكل فرقة منهم ميزاتهم في الفكر والسلوك ...] [١].
وبذات العدد تفرق النصارى وكان أبرز طائفتين منهم (الملكانية) الذين ذهبوا إلى عقيدة ازدواج الطبيعة عند السيد المسيح عليه السلام و (المنوفوسية) الذين زعموا أن طبيعته واحدة هي الألوهية ... وحاول الإمبراطور هرقل (٦١٠- ٦٤١ م) بعد انتصاره على الفرس سنة (٦٣٨) جمع مذاهب الدولة المتصارعة وتوحيدها، وأراد التوفيق، وتقررت صورة التوفيق أن يمتنع الناس عن الخوض في الكلام عن كنه طبيعة السيد المسيح، عما إذا كانت له صفة واحدة أم صفتان ... ولكن القبط نابذوه العداء، ... ووقع- جراء ذلك- اضطهاد فظيع على يد قيرس في مصر استمر عشر سنين، ... فرجال كانوا يُعذبون ثم يقتلون إغراقًا، وتوقد المشاعل وتسلط نارها على الأشقياء حتى يسيل الدهن من الجانبين إلى الأرض، ويوضع السجين في كيس مملوء من الرمل ويرمى به في البحر ... [٢].
واختلاف الأمم بعد رسل الله وتمام الحجة عليهم دليل على مدى حاجة البشر إلى الوحي، حيث تراهم يختلفون حتى بعد تنزل الوحي بينهم، وبمجرد أن يخبو ضوؤه عنهم، فكيف بهم إذا حرموه رأسًا؟!.
[٥] من أين ينتج الخلاف بين البشر؟.
[١] راجع عبقرية المسيح للعقاد: ص ٥٢- ٤٠.
[٢] ماذا خسر العالم .. للندوي: ص ٤٥- ٤٣، نقلًا بتصرف.