من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٣ - إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى
مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ وطَعَامُهَا الْجِيفَةُ وشِعَارُهَا الْخَوْفُ ودِثَارُهَا السَّيْفُ] [١].
وقال عليه السلام عن بعثة النبي صلى الله عليه واله
[بَعَثَهُ والنَّاسُ ضُلَّالٌ فِي حَيْرَةٍ وحَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الْأَهْوَاءُ واسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ واسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلَاءُ حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الْأَمْرِ وبَلَاءٍ مِنَ الْجَهْلِ فَبَالَغَ ص فِي النَّصِيحَةِ ومَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ ودَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] [٢].
لم يشك محمد صلى الله عليه واله أن هذا وحي يوحى إليه، لأن الله لا يختار من رسله من يشك في وحيه، لم يشك إبراهيم عليه السلام أن رؤياه حق فبادر ليذبح ابنه، ولم يشك موسى عليه السلام أن الذي يكلمه عند الشجرة هو الله، فأخذ يناديه بكل جوارحه، ولم تشك مريم أن الله قد رزقها غلاماً زكيا، كما لم يشك عيسى بن مريم عليهما السلام أنهُ عبد الله ورسوله الله إلى بني إسرائيل، فهل من المعقول أن يشك خاتم النبيين في ذلك وهو أشرفهم وأعظمهم؟!.
نور الشمس دليلها، ونور العلم دليله، واطمئنان اليقين هو ذاته شاهد صدق عليه، والوحي أشد وضوحا من الشمس، وأبهى ضياء من العلم، وأكبر سكينة واطمئنان من اليقين. أوليس الوحي من الله، والله شاهد عليه، فكيف يرتاب رسول الله فيه، أوليس الله بقادر على أن يُري رسوله ما يجعله على يقين من أمره، أو يبعث إلى الناس من لا يزال يشك في الوحي حاشا الله!. وكيف لعاقل أن يخطر في ذهنه ولو لحظة صدق تلك الروايات التي تنقل حول الرسول صلى الله عليه واله، وأنه قال لخديجة بعد أن نزل عليه الوحي
[فَوَ الله لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى عَقْلِي. فَقَالَتْ: كَلَّا وَالله لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَداً إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ المُعْدِمَ وَتُقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِ] [٣].
بلى؛ لا نستطيع أن نفهم هذا النوع من النصوص التي تخالف ظاهر القرآن، وتكون ذريعة للمستشرقين للنيل من رسول الإسلام. وأعتقد أن الرسول كان ينتظر الوحي بفارغ الصبر، فلما نزل عليه جبرائيل عرفه الله بصدقه، فلما نودي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ قرأ: باسم الله الرحمن الرحيم، وكانت تلك بداية الرسالة، بالرغم من أن فاتحة الكتاب هي سورة الحمد، إلا إنها كانت فاتحة الكتاب حسب ما قدر الله له أن يكون في صورته النهائية، بينما كانت الآيات الخمس الأوائل في سورة العلق فاتحة التنزيل. ومن المعروف أن هناك فرقا بين ما أنزل
[١] نهج البلاغة: خطبة: ٨٩.
[٢] نهج البلاغة: خطبة: ٩٥.
[٣] بحارالأنوار: ج ١٨، ص ١٩٤