من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٧ - ألم نشرح لك صدرك
أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا.
أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ ويَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ.
فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وأَكُفِّهِمْ ورُكَبِهِمْ وأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إِلَى الله تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ وأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى ومَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ ويَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا
[١] وقد كان رسول الله المثل الأعلى لهذه الصفات، فقد قام الليل حتى تورمت قدماه، وعانى من الجوع حتى شد على بطنه حجر المجاعة، وطلبته الدنيا فكشح عنها. ولم يزل خلال أيام رسالته المحدودة يهدم بنى الجاهلية في كل يوم ليقيم مكانها صرح الإسلام، فما فرغ من مهمة إلا لينصب للثانية، حتى إذا أكمل الله به الدين نصب نفسه لمهمة الخلافة من بعده، فاستوزر عليا عليه السلام إماما من بعده، وكانت تلك أصعب مراحل حياته، حيث واجه مخالفة واسعة من بعض أصحابه ولكنه نهض به بكل عزم واستقامة. من هنا جاء في تفسير الآية عن الإمام الصادق عليه السلام
[فَإِذا فَرَغْتَ مِنْ نُبُوَّتِكَ فَانْصَبْ عَلِيّاً، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ فِي ذَلِك] [٢].
[٨] وما الذي يجعل المؤمنين في حركة ذاتية، ونشاط لا ينقطع؟ إنه حب الله والرغبة إليه، ومن وله بأحد استسهل الصعاب من أجله، وأي حب أكبر في صدور المؤمنين من حبهم لله وقد قال الله وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة: ١٦٥] لذلك جاء النداء للرسول ومن خلاله للأمة وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ لقد كان قلبه عند ربه، تنام عيناه ولا ينام قلبه، وكان إذا جن عليه الليل تفرغ للابتهال والاجتهاد، دعنا نستمع إلى قصة ترويها عائشة عن قيامه بالليل حسب ما جاء في رواية الإمام الصادق عليه السلام قال
[لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَظَنَّتِ الحُمَيْرَاءُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه واله قَامَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَدَخَلَهَا مِنَ الْغَيْرَةِ مَا لَمْ تَصْبِرْ حَتَّى قَامَتْ، وَتَلَفَّفَتْ بِشَمْلَةٍ لَهَا وَايْمُ الله مَا كَانَ خَزّاً، وَلَا دِيبَاجاً، وَلَا كَتَّاناً، وَلَا قُطْناً، وَلَكِنْ كَانَ فِي سَدَاهُ الشَّعْرُ وَلَحْمَتُهُ أَوْبَارَ الْإِبِلِ.
فَقَامَتْ تَطْلُبُ رَسُولَ الله صلى الله عليه واله فِي حُجَرِ نِسَائِهِ حُجْرَةً حُجْرَةً فَبَيْنَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ نَظَرَتْآية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، من هدى القرآن - بيروت، چاپ: دوم، ١٤٢٩.
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٩٣.
[٢] تفسير نور الثقلين: ج ٥، ص ٦٠٥.