من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٥ - ألم نشرح لك صدرك
إذا حمل رسالة الله إلى العالمين، إنه وقر كبير لا يقدر عليه إلا من شرح الله صدره بالإيمان واليقين والتوكل عليه، وتفويض الأمر إليه، هكذا قال شعيب عليه السلام حينما تحدى فساد قومه وقال إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: ٨٨].
الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ قالوا: أي أثقله، حتى سمع نقيضه، وهو صريره الذي يكون من شدة الحمل.
[٤] عندما يخلص العبد لربه حياته، ويصفو من أدران الدنيا ومصالحها وشهواتها، ويتخلص من قيود المادة أو أغلالها فإنه يصبح قرين الرسالة، يسمع بها، ويعلو ذكره بسبب تصديه لنشرها وذوبانه في بوتقتها، كذلك سيد المرسلين استخلصه الله لنفسه، فأصبح ذكره قرين ذكر الله، وطاعته امتدادا لطاعة الله، وكلامه وسنته وسيرته وآدابه جزء من أحكام الله، فقال ربنا سبحانه وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] هكذا رفع ذكره، ألا ترى كيف يهتف المؤذنون باسمه مع كل شارقة وغاربة، وعبر ملايين الحناجر المؤمنة. وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ وذكر الرسول مرفوع في الدنيا بتأييد الله لدينه الذي يظهره على الدين كله وبقبول شفاعته في الآخرة التي يرضيه بها، واليوم وبعد أربعة عشر قرنا من نزول القرآن الكريم نجد اسم الرسول محمد صلى الله عليه واله هو أشهر اسم في العالم، وشخصيته الكريمة أحب إلى قلوب الملايين من أي شخصية أخرى، وإذا ذكروا أعظم شخصية عبر التاريخ فسوف يكون هو الأول، لا ريب حتى عند غير المسلمين.
[٥] من يتيم عائل يحيط به الأعداء أضحى رسول الله سيد قومه، ثم باني أمة، ثم شيد البشرية جميعا، من فعل ذلك به أوليس الله؟ فلماذا نيأس من روحه، ونتراجع ببعض الأذى الذي يصيبنا في سبيله؟ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إنه يلازمه أنى سار، لأن العسر يحمل في ذاته بذور اليسر، ولأن العسر حالة عابرة في حياة الإنسان، أوليس قد خلق الله الخلائق ليرحمهم، وإنما يبتليهم بالعسر والشدة؟ أوليس قد سبقت رحمة ربنا غضبه؟ إذا فالعسر لا يدوم، والدليل على ذلك سيرة الرسول التي أخلدها القرآن للعبرة بها، لأنها مثل أعلى لحياتنا نحن المسلمين، نتبع هداها فيرزقنا الله روحها وعقباها، وبتعبير آخر: الذي يتبع سيرة الرسول بقدر أو آخر فإن الخطوط العريضة لحياته سوف تتشابه مع تلك السيرة في عسرها ويسرها، في صعابها وفي عواقبها الحسنى. ولقد قال ربنا سبحانه لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] فمن تأسى برسول الله في حياته حصل على جزء من مغانم سيرة الرسول ومكتسباتها.
[٦] وراء العسر الواحد يسران: يسر في الدنيا وآخر في الآخرة، يسر نابع من رحمة الله التي وسعت كل شيء، ويسر منبعث من الصبر والاستقامة، وبالتالي من رحمة الله الخاصة