من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٢ - وما أدراك ما العقبة
مشاكلي أن أولادي صغار فلو كبروا تخلصت من همومهم، ولكنه ما أن ينتقل من حال إلى حال، أو من مرحلة لأخرى حتى تهجم عليه مشاكل جديدة، كل مشكلة أكبر من أختها. لا تعش إذا في الأمنيات الحلوة، في أحلام اليقظة، لا تقل لا يعاقبني الله، ولماذا؟ هل أنت إلا بشر.
أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ قالوا معناه: أيظن أي آدم أن لن يعاقبه الله عز وجل؟ إنه ينظر إلى ما أُوتي من نعم الله فيصيبه الغرور ولا يفكر أن ما لا يملكه أكثر مما يملكه، يقول: لا أحد يقدر علي، وهو يعيش في وسط المشاكل وكبد التحديات.
[٦] أوتدري كيف يكبر الإنسان؟ حينما يحمل قضية كبيرة، ونسبة أدائه لقضيته يكون تساميه، وهكذا حمل الله عباده الصالحين المزيد من المسؤوليات، وابتلاهم بأشد البلاء، حتى جاء في الحديث المعروف
[إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَل]
[١]، بيد أن بعض الناس كلما حمل رسالة أو قضية أو مسؤولية صغرت نفسه في عينيه، وقال: كيف أؤدي هذا العمل؟ وحاول الفرار منها. حقا عند هذه النقطة يفترق العظماء عن غيرهم، إنهم لا يجدون أحدا أحق منهم بعمل الخير أو تحمل المسؤولية، بل تجد بعضهم يبحث عنها بحثا حثيثا. ولعل الآية هذه تعالج هذه الحالة الشاذة في نفس الإنسان، حيث تراه إذا أعطى قليلا كبر في عينيه، وقال: أنه مال كثير، ولا يقول أنه قدمه لحياته، بل يراه مغرما ويقول: إنني أهلكته. يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَداً أي مالا كثيرا مجتمعاً ولعله يكون كاذبا في ذلك، فلم ينفق إلا قليلًا، وعظم عمله في عينه، بخلاف المؤمن الذي لا يخرج أبدا عن حد التقصير في جنب الله، ولذلك فهو يتطلع أبداً إلى عمل أكبر وأفضل.
[٧] ثم إنه يزعم: أنه متروك لشأنه كالبهيمة السائحة، وأنه لا أحد يراقبه. كلا .. إن الله يراقبه وهو أقرب إليه من حبل الوريد. أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ.
[٨] إن الذين يتهربون من مسؤولياتهم يفرغون حياتهم من محتواها، من لبها، من هدفها. فلماذا إذاً جعل إنسانا، وأوتي الأحاسيس المختلفة: عينا يبصر بها فيعرف الحق والباطل، ولساناً ينطق به، وشفتين ليطبقها على لسانه إن هم بكلام خاطئ. أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ للبصر والبصيرة معاً.
[٩] وجعل الله للإنسان اللسان الذي ميزه عن سائر الأحياء بالنطق. وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ.
[١٠] وأعظم النعم أنه منحه الحرية فهداه إلى ما هو طريق الحق وما هو طريق الباطل. وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ وأصل النجد الأرض المرتفعة، وروي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال
[أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا هُمَا نَجْدَانِ نَجْدُ خَيْرٍ وَنَجْدُ شَر]
[٢]، ولعل تسمية الطريقين بالنجدين بسبب أنهما
[١] الكافي: ج ٢، ص ٢٥٢.
[٢] بحار الأنوار: ج ٢، ص ٢١.